البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٥٩ - الحسن و القبح أمران واقعيان أم حكمان مجعولان
استنباط الحكم الشرعي منها لا يتوقف على توسيط مقدمة شرعية، بل يعتمد على مقدمتين عقليتين، إحداهما: تمثل صغرى القياس، و الأخرى تمثل كبراه، فالصغرى عبارة عن: إدراك العقل لحسن شيء أو قبحه، و هي عقلية بحسب ما بيناه، من أن الحسن و القبح عقليان لا شرعيان، خلافاً لما ذهب إليه الأشاعرة، و الكبرى هي: عبارة عن: الملازمة بين ما أدركه العقل من حسن أو قبح و حكم الشارع على طبقه، فنقول مثلًا:
إن العقل قد أدرك حسن العدل و قبح الظلم. «صغرى»
كل ما حكم به العقل حكم به الشارع. «كبرى»
فينتج: إن العقل أدرك حكم الشارع بوجوب العدل و حرمة الظلم، و من خلال ذلك، نرى ان العقل قد استقل بنفسه بإثبات الحكم الشرعي بوجوب العدل و حرمة الظلم من دون حاجة إلى أي ضميمة شرعية كما هو واضح.
و على كل تقدير، يقع بحثنا الآن في هذه الكبرى النظريّة، و هي الملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشارع.
الحسن و القبح أمران واقعيان أم حكمان مجعولان:
قوله (قدس) ص ٤٢٦: «و قبل الدخول في الحديث عن الملازمة ينبغي ... الخ».
و قبل الخوض في أصل ثبوت الملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشارع و عدمها، لا بدّ من التعرّض إلى الخلاف الواقع بين المحققين من العلماء في حسن الأشياء و قبحها، من حيث كونهما أمرين واقعيين، و صفتين ثابتين للأفعال بذواتها و بدون جعل من العقلاء أو غيرهم، أو إنهما أمران اعتباريان مجعولان من قبل العقلاء أنفسهم، و إن حسن الأشياء و قبحها ليس هما إلا عبارة عن ما تطابقت عليه آراء العقلاء، بحيث لا يشذ منهم أحد؛ نتيجة لما يدركونه من المصالح و المفاسد، فكل عاقل يجد أن الكذب لو لوحظ في
نفسه فهو يقتضي أن لا يفعل، و لا يرتكب، و أنّ الصدق ممّا ينبغي أن يفعل [١].
[١] قد يقول قائل: ما فائدة هذا البحث و الحال أنه على كلا الوجهين لا بد من البحث في أن ما أدركه العقل من حسن الأشياء هل يلزم عقلًا حكم الشارع على طبقه أو لا يلزم ذلك؟ فالنزاع جارٍ إذن على كلا التقديرين، فما هي الفائدة من هذا البحث هنا؟
و الجواب: إن هناك فائدة تترتّب على هذا البحث و هذا التفريق، أي: على كونهما أمرين واقعيّين أم مجعولين من قبل العقلاء، و هي: مدى وجود دليل على الملازمة و عدمه، كما سوف يتّضح من خلال بعض الأدلة التي تساق لإثبات الملازمة؛ حيث أنها مبنيّة على القول بأن الحسن و القبح من الأمور الجعليّة للعقلاء، و من تشريعاتهم.