البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٨٩ - ما هو الضد الذي أخذ عدم الاشتغال به قيداً في التكليف؟
فإنه لا يلزم من عدم سواد الورقة كونها بيضاء؛ لاحتمال أن تكون صفراء مثلًا.
ففي جميع هذه الأنحاء الثلاثة من التضاد، نجد أن المكلّف عاجز عن الجمع بين الضدين، فهو عاجز عن الجمع بين الشيء و نقيضه، كما أنه عاجز عن الجمع بين الضدين الذين لا ثالث لهما، كما أنه عاجز أيضاً عن الجمع بين الضدين اللذين لهما ثالث، فهل هذا يعني أن هذا العجز- و في جميع هذه الأنحاء- يكون موجباً لحصول التزاحم على نحو يكون كل من التكليفين مقيّداً بعدم الاشتغال بالآخر الذي لا يقل عنه أهميته، أم أن التزاحم بين التكليفين إنما يكون في بعضها دون البعض الآخر لعدم إمكان تصوره في ذلك البعض الآخر؟
ما هو الضد الذي أخذ عدم الاشتغال به قيداً في التكليف؟
قوله (قدس) ص ٣٢٣: «و الجواب أننا نريد بذلك حالات ... الخ».
و الجواب: هو أن التزاحم الموجب لتقييد الأمر بأحد الضدين بعدم الاشتغال بضده الآخر، لا ينطبق على النحو الأول من التضاد أي: الضد العام، بمعنى: نقيض الشيء على نحو يكون الأمر بأحد النقيضين مقيداً بعدم الاشتغال بنقيضه؛ فإنّ مثل هذا النحو من التقييد مستحيل؛ و ذلك لأن فرض عدم الاشتغال بالنقيض يساوق ثبوت نقيضه؛ لعدم خلو صفحة الوجود من أحد النقيضين، فيكون الأمر به حينئذٍ تحصيلًا لما هو حاصل، و هو محال.
و من هنا نعرف أن النقيضين- أي: الفعل و الترك- لا يمكن الأمر بكل منهما بحيث يؤمر بالفعل في عين الوقت الذي يؤمر فيه بالترك، لا مطلقاً، و لا مقيداً بعدم الاشتغال بالآخر، أما الأول، فلأنه تكليف بغير المقدور؛ إذ معناه طلب الجمع بين النقيضين، و هو مستحيل، و أما الثاني؛ فلأنه تحصيل للحاصل كما تقدم.
و يترتب على ذلك، أنه إذا دل الدليل على وجوب فعل، و دل الآخر على وجوب تركه أو حرمة فعله، كان الدليلان متعارضين؛ لأن التنافي حينئذٍ يكون بين الجعلين ذاتيهما لا مجرّد التنافي بينهما في مقام الامتثال كما هو واضح، حيث أن كلًا من الجعلين ينفي بالدلالة الالتزامية الجعل الآخر، و هذا هو ملاك التعارض.