البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٣ - تقريب الاستدلال بهذه الطائفة
و بعد أن اتضح عدم دلالة هذه الطائفة على المطلوب، و هو اثبات حجية خبر الواحد، لا حاجة إلى البحث عن الجهة الثانية، و هي اثبات صدورها.
الطائفة الثانية: ما دلّ من الروايات على الحث على تحمّل الحديث
ما دلّ من الروايات و الأخبار على الترغيب و الحث على تحمّل الحديث [١] و حفظه، من قبيل قول النبي (ص): «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً، بعثه الله فقيهاً عالماً يوم القيامة» [٢].
تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:
إنّ دلالة هذا الحديث على الحث و الترغيب في تحمّل الأحاديث و حفظها واضحة و صريحة، و أما كيفية دلالته على حجّية خبر الواحد، فتوجيهه: إنّ الحث من قبل الشارع على حفظ الأحاديث و تحمّلها ليس هو لغرض الحفظ بما هو حفظ فحسب، و إنما هو لأجل نشرها و نقلها إلى الغير حتى ينتفع منها ذلك الغير، و يعمل على وفقها، فالحث على تحمّل الأحاديث و حفظها يعني الحث على نشرها و نقلها إلى الآخرين و وجوب ذلك، و هذا، يعني: أن السامع لتلك الأحاديث المنقولة إليه من الحافظ لها، يجب عليه القبول بما جاء فيها مطلقاً، سواء حصل له العلم من قول الناقل أم لا؛ من باب الملازمة بين وجوب النقل مطلقاً و وجوب القبول كذلك، كما تقدم مثل هذه الدعوى في آية النفر، و معنى وجوب القبول على السامع لتلك الأحاديث و إن لم يحصل له العلم بها، هو: حجّية قول الناقل لها [٣].
[١] تحمّل الحديث بمعنى: الاستماع إليه، من قبيل تحمّل الشهادة لأجل أدائها
[٢] وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ٧٩
[٣] هذا هو التقريب الصحيح للاستدلال بهذه الطائفة، و ليس ما جاء في الحلقة الثالثة في اسلوبها الثاني، في الجزء الثاني، ص ٩٠، حيث ذكر في مقام توجيه الاستدلال بهذه الطائفة: «فإن الخبر إذا لم يكن حجّة، فلا وجه للحث على حفظه؛ إذ من اللغو الأمر بحفظ ما ليس حجّة».
و الوجه في عدم صحة هذا التوجيه، هو: أن المطلوب اثباته بهذه الطائفة، هو: الملازمة بين الأمر بتحمل الأحاديث و حفظها لأجل نشرها و نقلها، و بين الحجية التعبدية لقول الناقل، و ليس اثبات أن الإمام قد أمر بحفظ ما هو صادر عنهم لا حفظ ما ليس بصادر عنهم؛ فإن هذا مما لا شك فيه، و لكن اين هو من الحجية التعبدية المراد اثباتها لقول الناقل للرواية و وجوب قبول قوله؟! و لا أظن أن المستدل بهذه الطائفة من الروايات قد قصر نظره على مجرد الحث على الحفظ بما هو حفظ؛ لوضوح أنّ الإمام لم يأمر إلّا بحفظ ما هو صادر عنهم، و سيظهر لك حقيقة الأمر من خلال ما ذكره السيد الشهيد في مناقشة الاستدلال.