البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٩٢ - السيرة و الروايات تثبت حجية خبر مطلق الثقة
عليها، لنرى أنها هل تقتضي حجّية خبر العادل خاصة؟ أو حجّية خبر الثقة و إن لم يكن عادلًا [١]؟ إذ لا مرجع لنا في تحديد ذلك إلّا هذه الأدلة [٢].
آية النبإ لا تثبت أكثر من حجية خبر العادل:
و بناء على ما تقدم، فإن قلنا: إن دليل حجّية الخبر هو آية النبأ خاصّة دون غيره من الأدلة الأخرى التي ذكرت في المقام، فلا يثبت حينئذ إلّا حجّية خبر العادل خاصّة؛ و ذلك لأنّ
الاستدلال بآية النبأ كان عن طريق التمسك بمفهومها، الذي هو عبارة عن: أنّه إذا جاء العادل بالنبإ، فلا يجب التبيّن؛ فإنّ غير الفاسق ليس سوى العادل، و بالتالي، لا يشمل دليل الحجّية خبر الثقة غير العادل، فتكون دائرة الحجّية بدرجة أضيق؛ لاختصاصها بخبر العادل، و عدم شمولها لخبر الثقة غير العادل.
السيرة و الروايات تثبت حجية خبر مطلق الثقة:
و أما إذا قلنا بأن مدرك الحجّية ليس مختصاً و منحصراً بآية النبأ، بل هو كل من:
[١] اعلم أن الفاسق تارة يكون فاسقاً من جميع الجهات، أي: كونه فاسقاً من حيث الإخبار بأن لم يكن متورعاً عن الكذب، و الافتراء، و كونه فاسقاً من حيث الاعتقاد أيضاً، بأن كان يعتقد عقائد فاسدة، و أخرى يكون فاسقاً من جهة الاعتقاد خاصّة، و لكنّه غير فاسق من جهة الإخبار، بأن يكون ثقة لا يكذب، و لا يفتري، و لا يتقوّل على الآخرين، و في هذه الحالة يكون ثقة فاسقاً، فهو ثقة من جهة الإخبار، و فاسق من جهة الاعتقاد، و يقابله الثقة العادل، فهو ثقة من جهة الإخبار، و غير فاسق من جهة الاعتقاد، و حينئذٍ، قد يكون الشخص ثقة غير عادل، أي: ثقة فاسق، و قد يكون ثقة عادل، فلا يختلط عليك الأمر و تتصور أن الفاسق لا يمكن أن يكون ثقة، و هذا المعنى قد تجده عند الأصحاب؛ حيث إنهم عملوا بروايات السكوني؛ لكونه ثقة عندهم، و إن كان فاسد المذهب و العقيدة، وعليه، فالنسبة بين الفسق و الوثاقة هي العموم و الخصوص من وجه
[٢] إن تحديد العنوان بالنسبة إلى موضوع الحكم الشرعي سعة و ضيقاً، لا مرجع له إلا نفس الدليل الدال على الحكم الشرعي؛ لأن الارتباط بين الحكم الشرعي و موضوعه إنما هو بالجعل الشرعي، و لو لا ذلك لما كان بينهما هذا الارتباط، فلا وجود لشيء اسمه موضوع للحكم الشرعي إلا إذا فرض وجود حكم شرعي قد ترتب على ذلك الموضوع، و من المعلوم، إن ترتب حكم شرعي على موضوع معيّن لا يعرف إلا من جهة الدليل الدال على ذلك الحكم الشرعي، وعليه، فكما أنّ الموضوع للحكم الشرعي لا يعرف إلا من جهة الدليل الدال على ذلك الحكم الشرعي فكذلك حدوده سعة و ضيقاً لا تعرف إلا من خلال الرجوع إلى ذلك الدليل، و في المقام، معرفة كون الحجة من الخبر هو خبر مطلق الثقة و إن كان فاسقاً أم هو خبر خصوص الثقة العادل، لا تحصل إلا بالرجوع إلى نفس الأدلة الدالة على الحجية.