البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٦٦ - الأول السيرة العقلائية
مخصوصة، و يفهم هو و غيره منها تلك المعاني عند اطلاقها، و يجد أنّها على ما هي عليه من الثبات و الاستقرار، فيتخيّل أن هذه الألفاظ كانت موضوعة لتلك المعاني حتى في الفترة السابقة على زمانه، و هذا يوحي- و لو خطأً بالنسبة للأفراد الاعتياديين- بفكرة عدم تغيّر تلك الظواهر، و تطابقها على مرّ الزمن، فإن التطور البطيء في اللغة، و الثبات النسبي فيها، قد لا يشعر به الإنسان، و يتصوّر- خطأً- أنّ اللغة في ثبات و استقرار، و هذا إيحاء عام قد استقرّ لأجله البناء العقلائي على الغاء احتمال التغيّر و التبدّل في الظهور كلما شك فيه، باعتباره حالة استثنائية نادرة تنفى بذلك الأصل.
الدليل على أصالة عدم النقل:
ثمّ أنه يمكن أن يستدل على حجية أصالة عدم النقل بدليلين:
الأول: السيرة العقلائية
قوله (قدس) ص ٢٧٩: «و لكنه على أي حال ايحاء عام استقر ... إلخ».
تبيّن مما تقدم أنّ السيرة العقلائية كانت قائمة على البناء على عدم النقل عند الشك فيه أو احتماله، و حيث إنّ هذه السيرة كانت على مرأى و مسمع من المعصوم (ع)، فلو لم يكن الشارع موافقاً على ذلك البناء العقلائي، لكان عليه أن يردع عنه، و بما أنّه لم يردع عنه، يثبت امضاء الشارع لذلك البناء العقلائي، و تثبت شرعاً حجّية أصالة عدم النقل، أو أصالة الثبات في اللغة.
إن قلت: إنّ هذا الأصل بني على تخيّل الثبات و الاستقرار في اللغة، و الحال أنّه تخيّل خاطئ كما اعترفتم بذلك، باعتبار أنّ اللغة قابلة للتغير و التبدّل كغيرها من الظواهر الاجتماعية الأخرى، فكيف يمكن للشارع أن يمضي ذلك الإيحاء و التخيّل الخاطئ؟
كان الجواب: إن معنى إمضاء الشارع لذلك البناء العقلائي، لا يعني أن الشارع قد صوّب ما عليه العقلاء من ذلك الإيحاء الخاطئ، فإن ذلك غير معقول، بل المراد من ذلك أن الشارع من الناحية التشريعية قد جعل احتمال تطابق الظهور في عصر السماع مع الظهور في عصر صدور النص حجّة، ما لم تقم قرينة على خلافه.
و بعبارة أُخرى: إن امضاء الشارع إنّما يكون لأصل الارتكاز العقلائي، و بناء العقلاء