البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٦٥ - الاتجاه الثاني الملازمة بين حكم العقل و عدم حكم الشرع
العقلاء بحسن شيء أو قبحه صدور جعل من الشارع بوجوب الفعل أو حرمته، فلا دليل على الملازمة [١].
الاتجاه الثاني: الملازمة بين حكم العقل و عدم حكم الشرع
قوله (قدس) ص ٤٢٩: «و أما الاتجاه الثاني فقد قرب بأنّ ... الخ».
و هذا الاتجاه قد ذهب إلى عكس ما ذهب إليه الاتجاه الأول، فقد ذهب إلى أنّه إذا حكم العقلاء بحسن شيء أو قبحه، استحال صدور جعل من الشارع على طبق هذا الحكم؛ و ذلك للزوم اللغويّة، و هي قبيحة عقلًا، و ما يلزم من جعله القبيح استحال جعله.
و قرب ذلك بأن جعل الشارع، أي: أمره بالفعل الحسن أو نهيه عن الفعل القبيح، إنما هو لغرض إيجاد الداعي في نفس المكلّف إلى الإتيان بما أمره به الشارع، و الاجتناب عمّا نهاه عنه، و من الواضح: أنّ حكم العقل و إدراكه لحسن شيء أو قبحه، و أنه مما ينبغي فعله أو مما ينبغي تركه، و أن العقلاء يمدحون فاعل الحسن و يذمّون فاعل القبيح، كاف لوحده لإيجاد الداعي لجعل المكلّف يتحرّك نحو الفعل أو يبتعد عنه، و لا معنى بعد ذلك لأن يأمر الشارع أو ينهى على طبقهما؛ لأنه سوف يكون بلا
فائدة تذكر، و هذا معنى اللغويّة، وعليه، فيستحيل أن يجعل الشارع أمراً أو نهياً في مورد إدراك العقل لحسن فعلٍ أو قبحه [٢].
[١] و هذا الجواب يؤكد ما أشرنا إليه في النقطة الثالثة من التمهيد، من أن البحث في الملازمة إذا كان بقطع النظر عن الملازمة بين مورد حكم العقل و حكم الشارع، فلا بد من اثبات الملازمة بين مورد حكم العقل الذي هو الحسن و القبح و حكم الشارع أولًا، ثم بعد ذلك يبحث عن الملازمة بين حكمه و حكم الشارع، و في المقام، لا ملازمة بين حسن الأشياء و وجوبها شرعاً لكي يستكشف من خلال حكم العقل بالحسن حكم الشارع بالوجوب، فلا منافاة بين كون الشيء حسناً و بين عدم إيجابه شرعاً
[٢] هذا النحو من الاستدلال ذكره الشيخ الأصفهاني في نهاية الدراية، ج ٢، ص ٣٢١، حيث قال: «و أما إمكان الحكم المولوي على طبقه، فقد مر مراراً أن التكليف المولوي هو الإنشاء بداعي جعل الداعي، و قد مر أيضاً أن التكليف لا يمكن أن يكون داعياً على أي تقدير، و لكل مكلف عموماً، إلا بلحاظ ما يترتب على موافقته من الثواب، و على مخالفته من العقاب، و حيث إن المفروض أن العدل يوجب استحقاق المدح، و الظلم يوجب استحقاق الذم عند العقلاء و منهم الشارع، فهو كاف في الدعوة من قبل الشارع بما هو عاقل، و لا مجال لجعل الداعي بعد ثبوت الداعي من قبله».