البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٦٥ - استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم لاستلزامه الدور
أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم:
قوله (قدس) ص ٣٥٢: «أما الافتراض الأول فقد يبرهن ... الخ».
وقع البحث بين الأصوليين في مدى إمكان أخذ العلم بالحكم الشرعي في موضوع نفسه أو عدم إمكان ذلك، كما لو قيل- مثلًا- «إذا علمت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة بنفس ذلك الوجوب»، الأمر الذي يعني: اختصاص وجوب الصلاة بالعالمين بها؛ لأن العلم بوجوبها قد أخذ في موضوعها بحسب الفرض؛ إذ قد يتعلق غرض المولى سبحانه و تعالى بتخصيص الحكم بالعالم، و قد يتعلق غرضه بشموله للعالم و الجاهل على حدّ سواء، و معنى تخصيصه بالعالم، هو أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه.
استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم لاستلزامه الدور:
قوله (قدس) ص ٣٥٢: «فقد يبرهن على استحالته بأدائه للدور ... الخ».
ذهب بعض المحققين من الأصوليين إلى أنّ أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه مستحيل؛ لأنه يؤدي إلى الدور، و ذلك بتوقف كل من الحكم و العلم به على الآخر. و قد قرّب الدور كالتالي:
إن العلم بالحكم الشرعي باعتباره موضوعاً لنفس ذلك الحكم الشرعي، سوف يؤدي إلى توقف الحكم الشرعي على العلم بالحكم الشرعي من باب توقف الحكم على موضوعه بحسب طبيعة علاقة الحكم و موضوعه، و أنها بمثابة علاقة المعلول بعلته. و حيث إن العلم بالحكم الشرعي يتوقف على الحكم الشرعي من باب توقف كل علم على ثبوت معلومه وفقاً للقاعدة القائلة بأن العلم بالشيء فرع ثبوت ذلك الشيء، فتَوَقف كل من: الحكم الشرعي و العلم بالحكم الشرعي على الآخر. و هذا هو الدور [١].
[١] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج ١، ص ١٤٦: «و اما التقييد في مرحلة فعلية الحكم فلا يعقل، للزوم الدور. و ذلك لأن فعلية الحكم انما يكون بوجود موضوعه، كما اوضحناه في محله، فنسبة الموضوع الى الحكم نسبة العلة الى المعلول، و لا يعقل تقدم الحكم على موضوعه، و الا يلزم عدم موضوعية ما فرض كونه موضوعاً، و ذلك واضح.
و من المعلوم: إن العلم بالشيء يتوقف على ثبوت الشيء في الموطن الذى تعلق العلم به؛ إذ العلم لا بد له من متعلق، و رتبة المتعلق سابقة على العلم ليمكن تعلق العلم به، فلو فرض ان العلم بالحكم أخذ قيد للموضوع، فلا بد من ثبوت الموضوع بماله من القيود في المرتبة السابقة على الحكم، لما عرفت من لزوم تقدم الموضوع على الحكم، ففعلية الحكم تتوقف على وجود الموضوع، فلو فرض أن العلم بالحكم أخذ قيداً في الموضوع، يلزم توقف الموضوع على الحكم؛ لأن من أجزاء الموضوع العلم بالحكم، فلا بد من وجود الحكم ليلتئم الموضوع بما له من الأجزاء، و هذا كما ترى يلزم منه الدور المصرح».
و قال المحقق الخراساني في كفاية الأصول ص ٢٦٦: «لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم؛ للزوم الدور، و لا مثله؛ للزوم اجتماع المثلين، و لا ضده؛ للزوم اجتماع الضدين، نعم، يصح أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه، أو مثله، أو ضده».