البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٣٩ - قيام الدليل على نفي الوجوب الغيري
فإذا اتضح ذلك، يتبين عدم تمامية الدليلين المذكورين لإثبات الوجوب الغيري؛ و ذلك لأن غاية ما يمكن اثباته من خلال الدليلين المذكورين هو الملازمة في مرحلة الإرادة، و هي مرحلة غير المرحلة التي يعبر عنها الوجوب الغيري المتنازع فيه، فبالنسبة الى الدليل الأول، الأمر واضح جداً، فهو صريح في اثبات الملازمة في هذه المرحلة. و أما بالنسبة الى الدليل الثاني، فإن غاية ما يثبته هو مسئولية المكلف تجاه المقدمة لا أكثر. و هذه المسئولية ثابتة بحكم العقل، و هي غير الوجوب الغيري المبحوث عنه في المقام قطعاً.
وعليه، فلا دليل على الملازمة بين ايجاب شيء و ايجاب مقدمته غيرياً. فالصحيح إذن: إنكار الوجوب الغيري في مرحلة الجعل و الايجاب، ليس فقط لعدم الدليل عليه، بل لقيام الدليل على عدمه كما سيأتي.
قيام الدليل على نفي الوجوب الغيري:
قوله (قدس) ص ٣٨٢: «فلأنّ الوجوب الغيري إن أريد به .... الخ».
إنّ عدم قيام الدليل على الملازمة بين إيجاب شيء و إيجاب مقدمته غيرياً و إن كان وحده كافياً لانكار الوجوب الغيري، و لكن، مع ذلك، يمكن إقامة الدليل على عدمه، و ذلك بالبيان التالي:
إنّ الوجوب الغيري، إما أن يراد به الوجوب المترشح بصورة قهرية من الوجوب النفسي، و إما أن يراد به الوجوب المجعول بصورة اختيارية من قبل المولى مضافاً الى جعله للوجوب النفسي.
فإن أريد به الأول، فهو غير معقول؛ لأن الوجوب ليس إلا الجعل و الاعتبار، و هو فعل اختياري للجاعل، و لا يمكن افتراض ترشحه بصورة قهرية [١] عن إرادة الفاعل المختار؛
[١] هذا ما جاء عن السيد الخوئي في كتاب الصوم، ج ١، ص ٢٢١ حيث قال: «و حديث ترشح وجوب المقدمة من ذيها، المستلزم لتأخر وجوبها عن وجوبه كلام مشهور لا أساس له من الصحة؛ إذ كيف يعقل ترشح الوجوب من وجوب؟! و أن يكون فعل اختياري معلولًا لفعل اختياري آخر؟! و هل وجوب ذي المقدمة بنفسه مشرع كي يكون علة لوجوب المقدمة و يكون وجوبها مترشحاً من وجوبه؟ كل ذلك لا يكون، بل الوجوب الغيري كالوجوب النفسي، كل منهما فعل اختياري لنفس الفاعل- أعني: المولى الذي بيده الحكم- لا أن الأول معلول للثاني كي يكون فعلًا لفعل الفاعل و معلولًا لمعلوله، بل كل منهما بحاله فعله مستقلًا».