البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٣٧ - ثانياً ردّ الإشكال السابق
للعمل بالظاهر، و إلّا، فلو قلنا أنها مختصّة بالأمر بالتمسك بالعمل بالنصّ فقط دون الظاهر، فلن يتم الاستدلال حينئذ كما هو واضح؛ لأنه سوف يكون من التمسك بالظهور لاثبات حجّية الظهور، فلا بدّ في رتبة سابقة من إثبات حجّية ظهور تلك الأحاديث و الروايات في الاطلاق حتى يمكن إثبات حجّية الظهور، فتوقفت حجّية الظهور على حجّية الظهور، و هذا هو الدور الذي أشرنا له سابقاً.
و بعبارة مختصرة: إن الاستدلال بالروايات و الأحاديث على حجية الظهور، يتوقف على حجّية ظهورها، و حجّية ظهورها يتوقف على حجّية الظهور في رتبة سابقة، و هذا يعني: إن حجّية الظهور تتوقف على نفسها.
ثانياً: ردّ الإشكال السابق
و يمكن التخلّص من الاشكال السابق الذكر بأن يقال:
إن تماميّة الاستدلال بهذه الأحاديث على حجّية الظهور ليس من الضروري أن يتوقف على إثبات حجّية الظهور بنحو كلّي في رتبة سابقة حتى يقال بلزومه للدور، أو خروجه عن كونه دليلًا باعتبار افتراض وجود الدليل على حجية الظهور في رتبة سابقة على هذا الدليل، بل يكفي أن تثبت بالدليل القطعي حجّية ظهور خصوص هذه الأحاديث الآمرة بالتمسك بالكتاب و السنّة [١]، و إذا ثبت بالدليل حجّية ظهور هذه الأحاديث، نستطيع أن نتمسك بظهورها في لزوم العمل بالظهور لاثبات حجّية كل ظهور، و لا يلزم من ذلك أي دور كما هو واضح. نعم، يبقى الكلام في هذا الدليل المثبت لحجّية ظهور خصوص هذه الأحاديث [٢].
[١] هذا الجواب للتخلص من الاشكال المتقدّم، عبّر عنه بقوله: «... و لو في الجملة، دونهما»
[٢] بل يمكن أن يقال بأن دلالة تلك الروايات و الأحاديث على لزوم العمل بظواهر الكتاب و السنّة متيقنة، فلا تكون من الاستدلال بالظهور على حجّية نفس الظهور؛ و ذلك لأنّ الآيات القرآنية و الروايات الصادرة عنهم إن لم تكن كلها من الظواهر، فأغلبها كذلك، و حينئذٍ، لا يخلو الحال من لزوم التمسك بالكتاب و السنّة من احتمالين:
الأوّل: العمل بالظاهر و النص.
و الثاني: العمل بالنصّ خاصّة دون الظاهر.
و لا شك في تعين الاحتمال الأول و بطلان الثاني؛ و ذلك لأنّ لزوم العمل بالنص مفروغ عنه؛ لأنه مما حكم به العقل قبل الشرع؛ فإنّ النص يؤدي إلى القطع، و هو حجة عقلًا، هذا علاوة على أنه لو أريد من التمسك بالكتاب و السنة التمسك بالنص دون الظاهر، لزم تخصيص الأكثر، و هو مستهجن عرفاً.
لا يقال: إنّ هذا من التمسك بالإطلاق و هو ظهور، فيكون من الاستدلال بالظهور على حجّية نفس الظهور.
فإنه يقال: إنّ الاطلاق و الشمول إنّما يكون من الظهور فيما لو استفيد من مقدمات الحكمة، و عدم ذكر القيد في الكلام، و في المقام، نحن ندعي القطع بإرادته من الكلام، بسبب وجود القرينة على ذلك، و التي هي عبارة عن: أنّ افتراض نظر حديث لزوم التمسك إلى خصوص النص، دون الظاهر، يلزم منه اللغوية؛ و ذلك لندرة النص، و النادر كالمعدوم.
و لكن على الرغم من صلاحية ما ذكرناه لتوجيه الاستدلال بمثل هذه الأحاديث على حجية الظهور من دون الحاجة إلى افتراض وجود دليل يثبت حجية ظهور هذه الأحاديث بالخصوص، فإنّ الاستدلال بمثل هذه الأحاديث يبقى محل نظر و تأمّل؛ و ذلك لعدم الملازمة بين لزوم التمسك بالكتاب و السنة و بين الالتزام بحجية الظهور؛ فإنّ التمسك بالكتاب و السنة يعني العمل بما علم أنه مدلول للكتاب و السنة، لوضوح أنّ العمل بما لم يعلم أنّه من الكتاب و السنة كما هو الحال في الظهور لا يعد تمسكاً بالكتاب و السنة، و كون ما في الكتاب أغلبه من الظواهر لا يمنع من حصول العلم بمدلوله و لو ببيان الإمام المعصوم قولًا صريحاً أو فعلًا لا لبس فيه أو تقريراً واضحاً، خصوصاً و أن الحديث قد أمر بالتمسك بالعترة لا بالسنة مباشرة، فتأمّل.