البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٦٩ - الثالث العجز الناشئ من مجرّد التكليف بالضد
بفعل آخر هو بحاجة إلى تمام القدرة التي كان يتطلبها القيام بالفعل الذي كان مشتغلًا به [١]، فمن كان مشتغلًا فعلًا برفع ثقل معين بيديه على نحو لا يمكنه استعمالهما بأي عمل آخر، يكون عاجزاً عن الإتيان بالفعل الآخر و إن كان قادراً عليه لو لا اشتغاله بذلك الفعل كما لو فرض أن المكلف كان قادراً تكويناً على الصلاة، و لكنه كان مشتغلًا فعلًا بإنقاذ غريق قد أمر بانقاذه. و لا إشكال هنا- بل لا خلاف أيضاً- في استحالة التكليف الفعلي بالصلاة؛ و ذلك لعدم قدرة المكلف على الإتيان بمتعلقها، و يكون حال هذا النحو من العجز حال النحو الأول.
الثالث: العجز الناشئ من مجرّد التكليف بالضد
كما أنّ الإنسان قد يكون في كثير من الأحيان قادراً من الناحية التكوينية- و بقطع النظر عن أي شيء آخر- على الاتيان بفعل من الأفعال، و لكن، و بسبب تكليفه بفعل آخر على نحو لا يمكنه الجمع بين الفعلين في آن واحد يكون عاجزاً عن ذلك الفعل؛ لأنه لا يملك إلّا قدرة واحدة، فإمّا أن يصرفها إلى هذا الفعل، و إمّا أن يصرفها إلى ذلك الفعل الآخر، كما لو فرض أن المكلف كان قادراً تكويناً على الصلاة و لكنه كان مأموراً فعلًا بإنقاذ غريق بحيث لو اشتغل بإنقاذه لفاتته الصلاة في ذلك الوقت لأجل التضاد بين عمليتي الإنقاذ و الصلاة و عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما؛ لأنه لا يملك إلّا قدرة واحدة، فإمّا أن يصرفها لعملية الإنقاذ، و إمّا أن يصرفها لعملية الصلاة، فيكون المكلف عاجزاً عن الجمع بين الامتثالين في آن واحد لأنهما ضدان، و يستحيل الجمع بين الضدين كما هو واضح.
و هذه الحالة تسمى بحالة الأمرين بالضدين، و التي وقعت مورداً للبحث عند الأصوليين من حيث وجود المصحح لجعلهما و عدمه [٢].
[١] هذا القيد لاخراج حالة ما لو كان المكلف مشتغلًا بفعل معيّن و كان بامكانه أن يؤدي غيره معه في نفس الوقت بحيث تكون قدرته كافية لأن تسع كلا الفعلين في آن واحد، ففي هذه الحالة، لا محذور في أن يتوجّه إليه الأمر بفعل معيّن مع اشتغاله بغيره
[٢] و على أعتاب هذا البحث ولدت فكرة الترتب و ارتبطت ببحث التزاحم، و ذلك لأجل تصحيح الأمرين بالضدين و اخراجهما من العرضية إلى الطولية، فوقع البحث عند الأصوليين في مدى صلاحية الترتّب لذلك أو عدم صلاحيته.