البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٦٩ - الوجه الثاني لزوم الدور في مرحلة وصول التكليف
القاطع دائماً يرى أن مقطوعه ثابت بقطع النظر عن قطعه، و إنما بقطعه قد كشف عن ثبوت مقطوعه. فالذي يتعلق علمه بشيء، يفترض ثبوت ذلك الشيء أولًا ثم يتعلق به علمه، لا أنه بعلمه يوجد ذلك الشيء، فالعلم بمثابة النور الذي تسلطه على منطقة مظلمة ثم ينكشف لك ما فيها من أشياء، هذه الأشياء التي هي ثابتة بقطع النظر عن تسليط النور عليها، هكذا يرى العالم أن علمه قد كشف له عن المعلوم لا أن علمه كان سبباً في إيجاد ذلك المعلوم [١].
الوجه الثاني: لزوم الدور في مرحلة وصول التكليف
و أما الوجه الثاني لاثبات استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، فحاصله: إن أخذ العلم بالحكم الشرعي في موضوع نفسه يلزم منه الدور في مرحلة وصول التكليف و العلم به؛ و ذلك لأن الحكم الشرعي إذا كان متوقفاً على موضوعه وفقاً لطبيعة علاقة الحكم بموضوعه، فإنّ العلم بثبوت الحكم الشرعي يتوقف قطعاً على العلم بموضوعه، فمن لم يعلم بتحقق موضوع الحكم الشرعي لا يكون عالماً بثبوت الحكم الشرعي، فإن الذي لا يعلم بأن الذي أمامه خمر لا يحصل له العلم بحرمة شربه حتى لو كان عالماً بحرمة شرب الخمر.
و في المقام، فحيث أن موضوع الحكم هو العلم بالحكم الشرعي بحسب الفرض، فإن العلم بالحكم الشرعي يتوقف قطعاً على العلم بالحكم الشرعي؛ لأنه موضوعه، و العلم بالعلم بالشيء هو نفس العلم بذلك الشيء؛ لأن العلم لا يتعلق به العلم بعلم زائد على نفس ذلك العلم؛ لأنه معلوم بالعلم الحضوري؛ لحضوره لدى النفس مباشرة، فمن علم بوجود زيد- مثلًا- لا يحتاج- لكي يعلم بعلمه بوجوده- إلى غير العلم بوجوده؛ لأن العلم حاضر لدى النفس بصورة مباشرة.
وعليه، فإن أُخذ العلم بالحكم الشرعي في موضوع نفسه سوف يلزم منه الدور في مرحلة وصول التكليف؛ لأنه سوف يتوقف العلم بالحكم الشرعي على العلم بالحكم الشرعي. و هذا من توقف الشيء على نفسه، و هو مستحيل [٢].
[١] و قد التزم السيد الشهيد بصحة هذا الوجه، حيث قال في بحوث في علم الأصول، ج ٤، ص ١٠٢، بعد ذكره لهذا الوجه:) و هذا وجه فني صحيح»
[٢] و قد التزم السيد الشهيد بصحة هذا الوجه أيضاً، حيث قال في بحوث في علم الأصول، ج ٤، ص ١٠٤، بعد ذكره لهذا الوجه:) و هذا وجه صحيح أيضاً». و قال أيضاً:) و هكذا يتبرهن استحالة الأخذ بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم».