البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٧٥ - الرابعة في بيان مورد الخلاف بين الأصوليين في هذه المسألة
و نتيجة لذلك، فإنه إذا دلّ الدليل على الأمر بشيء ما و دلّ الدليل الآخر على النهي عنه، من قبيل: «صلّ» و: «لا تصلّ» كان هذان الدليلان متعارضين؛ لتحقق ملاك التعارض فيهما بسبب التنافي بين الجعلين، الناشئ من التضاد بينهما في عالم الملاك من جهة، و ضيق قدرة المكلّف عن امتثالهما و عدم إمكان الترتب بينهما من جهة أخرى.
الرابعة: في بيان مورد الخلاف بين الأصوليين في هذه المسألة
قوله (قدس) ص ٣٩٧: «و هذا مما لا اشكال فيه من حيث الأساس و لكن ... الخ».
قد يتوهم البعض- مما ذكرناه فيما تقدم- أن البحث في هذه المسألة ينصب على أصل استحالة اجتماع الأمر و النهي و عدم استحالته بحيث يكون البحث كبروياً، و مثل هذا التوهم لا مجال له لو التفتنا إلى ما بحثناه سابقاً، من أن الأحكام التكليفية متضادة فيما بينها، فإنه من الطبيعي حينئذٍ القول باستحالة اجتماع الأمر مع النهي لأنهما حكمان تكليفيان متضادان، وعليه، فلا إشكال عند أي أحدٍ من الأصوليين القائلين بتبعية الأحكام التكليفية للمصالح و المفاسد الكامنة في متعلقاتها في استحالة اجتماع الأمر و النهي على متعلق واحدٍ و في زمانٍ واحد، كما إنّه لا إشكال في جواز اجتماعهما على فعلين و إن كانا في زمان واحد مع القدرة على امتثالهما أو على فعل واحد و لكن في زمانين.
بعبارة أخرى: إن متعلق الأمر و النهي إذا كان واحداً فعلًا و زماناً و جهةً، فإنه يستحيل اجتماعهما، و إذا كان متعدداً فعلًا أو متعدداً زماناً فلا إشكال في جواز ذلك.
و منه يتبيّن أن البحث في هذه المسألة بحث صغروي، بمعنى: أنّ ما تعلق به الأمر و النهي هل هو من المتعلق الواحد الأمر الذي يعني القول باستحالة اجتماعهما، أم هو من المتعلق المتعدد الأمر الذي يعني عدم استحالة اجتماعهما؟
و منه يتضح مقصودنا بالكبرى و الصغرى في هذه المسألة؛ فإن الكبرى عبارة عن: استحالة اجتماع الأمر و النهي على متعلق واحد في زمان واحد، و الصغرى عبارة عن: أن ما تعلق به الأمر و النهي من المتعلق الواحد أم المتعلق المتعدد [١].
[١] إذ بعد فرض كون النزاع في الوجود الواحد الذي عرض عليه كل من الأمر و النهي و لكن من جهتين، وقع البحث في أنّ مجرد تعدد الجهة أو العنوان هل يكفي لرفع التنافي بين الأمر و النهي و يخرجهما عن كونهما تعلقا بشيء واحد و إن كان الوجود الخارجي واحداً و لو من باب أنّ الأحكام تتعلق بالعناوين لا بالوجودات الخارجية، أو يخرجهما عن ذلك عن طريق دعوى أنّ تعدد العنوان يكشف عن تعدد المعنون و الوجود خارجاً، أم أنّ مجرد تعدد الجهة و العنوان لا يكفي لرفع ذلك التنافي ما دام الوجود الخارجي واحداً؟ و على كل تقدير، فالخلاف يعود في جوهره و حقيقته إلى كون المتعلق واحداً أو متعدداً.