البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٩٩ - توجيه السيد الشهيد (قدس) لجواب صاحب الكفاية
إن ظاهر حال كل متكلم عاقل ملتفت جاد، هو: إن كل ما يقوله في مرحلة الدلالة التصورية للكلام فهو يريده استعمالًا و جداً؛ وفقاً لأصالة التطابق بين المدلول التصوري و المدلول التصديقي الأول، و من بعدها أصالة التطابق بين المدلول التصديقي الأول و المدلول التصديقي الثاني، و منشأ هذين التطابقين، هو: الظهور الحالي للمتكلم؛ فوفقاً لأصالة التطابق الأولى، يتم استكشاف المراد الاستعمالي للمتكلم، و إنه قد استعمل اللفظ في معناه الحقيقي الموضوع له، و وفقاً لأصالة التطابق الثانية، يتم استكشاف المراد الجدي للمتكلم.
هذه هي الطريقة المتبعة لاستكشاف المراد الجدي للمتكلم، و بعد أن تبين ذلك، نعود إلى بيان تلك النكتة التي اقتضت نقل التبعيض في الحجية عند صاحب الكفاية و غيره من المحققين، من مرحلة الدلالة التصديقية الأولى إلى مرحلة الدلالة التصديقية الثانية، و تلك النكتة، هي: أن الظواهر التضمنية في مرحلة الدلالة التصديقية الأولى مترابطة جميعاً، و لها نكتة واحدة، فإمّا أن تثبت جميعاً، و إمّا أن تسقط جميعاً، و لا معنى للتبعيض في هذه المرحلة، و تلك النكتة، هي عبارة عن: الظهور الحالي للمتكلم في إنه قد استعمل «كل» في معناها الحقيقي و هو الاستيعاب و الشمول لكل فرد من أفراد المدخول، لوضوح أنه لو لا ذلك لما أمكن لنا القول بأن زيداً مثلًا داخل في المعنى المستعمل فيه اللفظ، و أن بكراً داخل أيضاً، و أن عمراً داخل أيضاً، و هكذا، و من الواضح إن ذلك الظهور الحالي في هذه المرحلة، غير قابل للانحلال بعدد الظواهر التضمنية؛ لأنّ ذلك الظهور هو المنشأ لاستكشاف المراد الاستعمالي للمتكلم، و أنّ المتكلم قد استعمل «كل» في معناها الحقيقي و هو الاستيعاب و الشمول، فإن كان الاستعمال حقيقياً، جاز لنا أن نقول إن هذا الفرد داخل في الاستعمال، و ذاك داخل، و هكذا، و إن لم يكن الاستعمال حقيقياً، بل كان مجازياً، لم يبق مسوغ لذلك؛ إذ لا يوجد لدينا ما يمكن الاستناد إليه لمعرفة إن هذا الفرد داخل في المعنى المستعمل فيه اللفظ أو غير داخل ما دام الاستعمال مجازياً؛ لعدم الفرق حينئذ بين أن يكون قد استعمله مجازاً في الثلاثة، أو في الأربعة، أو في الخمسة.
و أما بالنسبة إلى الظواهر التضمنية في مرحلة الدلالة التصديقية الثانية، فلكل منها نكتته الخاصة به، فإن علم بطلان إحداها، فلا موجب لرفع اليد عن الظواهر الأخرى.