البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٠٠ - توجيه السيد الشهيد (قدس) لجواب صاحب الكفاية
و بعبارة أخرى: إن الظهور الحالي الذي يكون منشأً لأصالة التطابق الثانية و استكشاف المراد الجدي للمتكلم، ينحل بعدد تلك الظواهر التضمنية، فنقول- مثلًا-: إن زيداً داخل في المعنى المستعمل فيه اللفظ، فهو مراد له جداً، و إن بكراً داخل في المعنى المستعمل فيه اللفظ، فهو مراد له جداً، و هكذا، فإذا علم عن طريق المخصص أن زيداً غير مراد له جداً، فإن هذا يبطل الظهور الحالي الذي تم من خلاله استكشاف تعلق إرادته الجدية بزيد خاصّة، و لا يبطل الظهور الحالي الذي تم من خلاله استكشاف تعلق إرادته الجدية ببكر، أو غيره من الأفراد الأخرى.
و بهذا يثبت أن العام حجة في كل فرد لم يشمله المخصص، و هذا يعني: أن الظهور التضمني غير تابع للظهور الاستقلالي في الحجية [١].
[١] لكن، يبقى هذا مجرد توجيه و تفسير لكيفية حجية العام في تمام الباقي، و لا يمكن اعتباره دليلًا على حجية العام في الباقي؛ لأننا بإمكاننا أن نطرح السؤال بصيغة أخرى غير الصيغة المطروحة في البحث، فبدلًا من أن نسأل عن أن العام بعد التخصيص هل هو حجة في الباقي أم لا؟ فإننا نسأل عن أن العام بعد التخصيص هل هو حقيقة أم مجاز؟ فصاحب القول الأول يدعي أنه مجاز، و صاحب الكفاية يدعي انه حقيقة، و كل منهما لم يبرز دليلًا على مدعاه.
نعم، كلام صاحب الكفاية يصلح أن يكون احتمالًا أمام الاحتمال الذي طرحه صاحب القول الأول، و ليس دليلًا لإثبات القول الثاني، و لا ينفع ما ذكره الشيخ الإيرواني (حفظه الله) في شرح الحلقة الثالثة الجزء الثاني، ص ١٩٠ حيث قال: «و يبقى من حقنا التساؤل: كيف يمكن للآخوند اثبات استعمال العام في العموم حتى بعد ورود المخصص المنفصل؟ و الجواب: انه تقدم في المبحث السابق، ان القرينة المنفصلة إذا وردت، فهي لا تزيل الظهور التصديقي الأول، أي: لا تزيل الظهور في كون العام مستعملًا في معناه الحقيقي و هو العموم، و إنما تزيل حجيته في العموم».
و الوجه في عدم فائدة ذلك، هو: أن ظهور الكلام في كون الاستعمال استعمالًا حقيقياً المعبر عنه بأصالة الحقيقة، لا قيمة له إذا لم يكن ذلك الظهور حجة، و هو يفترض أن القرينة المنفصلة قد أسقطت ذلك الظهور عن الحجية، فهي ليست إلا دعوى في مقابل تلك الدعوى.
نعم، يمكن أن يقال: إنه بعد تسليم انعقاد الظهور في كون الاستعمال استعمالًا حقيقياً، فهو حجة ما لم تقم قرينة على خلافه، و لا دليل على أن المخصص المنفصل قرينة على خلاف الظهور التصديقي الأول؛ لأنّ المتيقن منه كونه قرينة على خلاف الظهور التصديقي الثاني؛ لأنه إن كان قرينة على خلاف الظهور التصديقي الأول فهو قرينة على خلاف الظهور الثاني؛ لأنه مترتب عليه كما هو واضح، و إن كان قرينة على خلاف الظهور الثاني خاصة، فواضح.
و حينئذٍ، يكون الظهور في كون الاستعمال استعمالًا حقيقياً حجة، فيكون المخصص المنفصل كاشفاً عن عدم تعلق الإرادة الجدية بالأفراد الذين شملهم المخصص، و يبقى الباقي داخلًا تحت عموم العام، فيشملهم حكم ذلك العام، و هذا هو معنى حجية العام في الباقي.