البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٥٦ - المقام الأول الملازمة بين حكم العقل النظري و حكم الشارع
وجود الملاك التام في فعل معيّن، يدل بالالتزام على الحكم الشرعي المناسب لطبيعة ذلك الملاك.
وعليه، فمتى ما وجدت مصلحة في فعل معيّن، و تمّ الملاك فيه بكل ما يحتويه من خصوصيات، و شرائط، و عدم المانع، كان بحكم العلة التامة للحكم الشرعي بوجوب ذلك الفعل، و التي تدعو المولى إلى جعل الحكم الشرعي بالوجوب على طبق ذلك الملاك، و هذا هو مقتضى عدله و حكمته؛ لأن عدله يقتضي أن يجعل حكماً على طبقه؛ إذ لو لم يجعل ذلك، لكان مغرياً للعبد في تفويت المصلحة، و كذلك الحال بالنسبة إلى وجود المفسدة في الفعل، مع توفّر الشرط، و فقدان المانع، تكون بحكم العلة التامة للحكم الشرعي بحرمة ذلك الفعل، و التي تدعو المولى- بمقتضى عدله و رحمته بعباده- إلى جعل الحكم الشرعي على طبقها، و إلا، لكان مغرياً للعبد في الوقوع في المفسدة.
هذا بالنسبة إلى أصل الملازمة بين الحكم و ملاكه التام، و من الطبيعي جداً، أنه متى ما علم بأحدهما، حصل العلم بالآخر، شأنه في ذلك شأن كل متلازمين في الوجود، و لكن هذا ليس هو مورد البحث؛ لأن الملازمة بين الحكم الشرعي و ملاكه التام مفروغ عنها، و إنّما البحث ينصب حول إمكان استكشاف الحكم الشرعي من خلال ما يدركه العقل من مصالح و مفاسد في الأفعال، و هذا يقتضي البحث في مدى إمكان إدراك العقل لملاكات تلك الأحكام من المصالح و المفاسد و عدم إمكان ذلك، و هذا تارة يكون كبروياً يلاحظ من الناحية النظرية أي: من الناحية الإمكانية و الثبوتية- و بقطع النظر عن إمكان التحقق الفعلي لصغرى تلك القاعدة خارجاً، و تارةً أخرى يكون صغروياً يلاحظ بالنظر إلى الواقع الخارجي، و إمكان التحقق الفعلي لصغرى تلك القاعدة.
و مصب البحث في اللحاظ الأول، هو: مدى إمكان إدراك العقل الملاك التام للحكم الشرعي و عدم إمكان ذلك نظرياً، و في اللحاظ الثاني، هو: إمكان أو عدم إمكان وقوع ذلك و تحققه خارجاً.
أمّا بالنسبة إلى اللحاظ الأول، فنقول: إنه من الممكن نظرياً- بمعنى: عدم وجود
المانع من ناحية العقل- إدراك العقل لكل ما هو دخيل في ملاك الحكم، أي: إدراكه لتمام الملاك على نحو إدراك العلة التامة، بحيث يدرك وجود المصلحة في الفعل المعيّن،