البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٧ - التقريب الأول الاستدلال بسيرة المتشرعة
الأحكام الشرعيّة، فالملاحظ لسيرتهم يجد بوضوح أنهم يعتمدون على الخبر الذي ينقله الثقة عن الإمام (ع) في مقام معرفة الحكم الشرعي، كما لو كانوا قد سمعوه بأنفسهم منه، و هذا يكشف عن انهم قد تلقّوا من الشارع ما يكون دليلًا على حجية خبر الثقة، و جواز التعويل عليه في ذلك، و إلّا، فكيف يمكن افتراض أنهم عملوا بذلك من دون أن يكونوا قد تلقوه من الشارع و الحال أنهم متشرعة؟!
و هذا النوع من السيرة، لا يتطلب أكثر من إثبات قيامها فعلًا على العمل بأخبار الثقات، و قد تقدّم في الحلقة السابقة بيان الطرق التي يمكن بها إثبات قيام السيرة على ذلك، و التي منها:
إنّه لا إشكال في أن المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع)، و علماء الطائفة المتقدمين، قد واجهوا عدداً كبيراً من الروايات التي يدور عليها معظم الفقه، و التي لا يمكن الاستغناء عن كثير منها في معرفة الأحكام الشرعية، و من الواضح أيضاً، أن أكثر رواة تلك الروايات لا يعهد أنهم على تلك المرتبة العالية من التقوى، و الورع، و الضبط، الموجبة لحصول العلم أو الاطمئنان بصدور ما يروونه و ينقلونه، نعم، لا يعرف في حقهم تعمد الكذب، و الدس، و التزوير، و حينئذٍ، إمّا أن يكونوا قد عملوا بهذه الروايات اعتماداً على مجرّد وثاقة رواتها و إن لم توجب العلم بصدورها، و إمّا أن يكونوا قد طرحوا تلك الروايات و لم يعملوا بها، و الاحتمال الثاني باطل، فيتعين الاحتمال الأول، و يثبت المطلوب.
و الوجه في بطلان الاحتمال الثاني، هو: إن افتراض رفضهم العمل بهذه الروايات، إمّا أن يكون بعد استعلام حالها من الإمام المعصوم (ع) و الاستفسار منه و ردعهم عن العمل بها، و إمّا أن يكون بدون ذلك، و لا شك في بطلان كلا الاحتمالين، أما الوجه في بطلان الثاني، فلأنهم قد سألوا و استفسروا عن أمور لم تكن بتلك الدرجة من الأهمية، و الحال، أن أساس الفقه و عماده يقوم على الأحاديث و الروايات، مضافاً إلى كون العمل بخبر الثقة من المرتكزات العقلائية، و هذا يعني: أن رفض العمل بها بعد تسليمه، لا بد و أن يكون بعد استعلام حالها.
و أما الوجه في عدم احتمال رفضها بعد استعلام حالها، فلأنه لو كان كذلك، لكان ذلك الرفض لا وجه له إلّا نهي الإمام (ع) و ردعه عن العمل بها، و هذا يستلزم وصول و لو رواية