البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٦٧ - تصوير إمكان جعل حكم شرعي على وفق حكم العقل العملي
بطلان الدليل الذي كان يقوم عليه كل اتجاه منهما، فسوف يتعيّن الاتجاه الثالث القائل بعدم الملازمة بين الحكمين، لا سلباً و لا إيجاباً، و بعد عدم ثبوت الملازمة بكلا معنييها الإيجابي و السلبي، يبقى الأمر ممكناً، بمعنى: إنه يمكن أن يجعل الشارع حكماً شرعيّاً على وفق ما أدركه العقل من حسن و قبح، و يمكن أن لا يجعل ذلك [١].
تصوير إمكان جعل حكم شرعي على وفق حكم العقل العملي:
بعد أن تبيّن عدم الدليل على الملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشارع على طبقه، و عدم الدليل على الملازمة بينه و بين عدم حكم الشارع، فإنّ هذا يعني: أنّه من الممكن أن يجعل الشارع حكماً شرعياً على طبق ما حكم به العقل، و من الممكن أن لا يجعل ذلك، و يكتفي بحكم العقل، وعليه، فلا بد من تصوير أنه متى يجعل الشارع حكماً
شرعياً على طبق ما حكم به العقل؟ و متى لا يجعل ذلك مكتفياً بنفس حكم العقل؟
و الجواب على ذلك: إن هذا الأمر مرتبط بدرجة اهتمام المولى بحفظ واجبات العقل العملي؛ فإن كان اهتمام المولى بوقوع الفعل خارجاً و التحرّك نحوه، أو عدم وقوعه كذلك بنفس الدرجة و المرتبة التي يقتضيها حسن الفعل أو قبحه من المحرّكيّة، و المسئوليّة، و استحقاق المدح و الثواب، أو الذم و العقاب، فلا موجب لافتراض إعمال المولى لمولويّته و جعل حكم شرعي على طبق حكم العقل بحسن الفعل أو قبحه، بل يكفيه في هذه الحالة الاعتماد على نفس حكم العقل، و إذا فرض أنه قد أمر به، أو نهى عنه، فسوف يكون أمره هذا أو نهيه إرشاداً إلى ذلك الحسن و القبح الذاتيين في الفعل لا أكثر.
[١] و يتفرّع على هذا الكلام، أنه لا مانع من توجّه الأمر المولوي في موارد حكم العقل العملي بالحسن و القبح، خلافاً لما قيل من أن الأوامر الشرعيّة في موارد حكم العقل العملي تحمل دائماً على الإرشاديّة بالتقريب المتقدّم للغوية الأمر الصادر من الشارع، و من المعلوم أن اللغوية تتصوّر فيما لو جعل الشارع حكماً بداعي البعث و الزجر، بدعوى كفاية حكم العقل للتحرّك و المسئولية نحو الفعل الحسن و الاجتناب عن الفعل القبيح، و جعلها بداعي البعث و التحريك المتقدّم يدل على كونها مولويّة لا إرشاديّة، أي: تأسيسيّة لا تأكيديّة، و ببطلان اللغوية لا يكون حكم العقل العملي في مورد ما دليلًا و قرينةً على حمل الأمر الشرعي لو صدر من الشارع في ذلك المورد على أنه أمر إرشادي و تأكيدي لحكم العقل، و ليس أمراً مولويّاً أو تأسيسيّاً.