البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٦٨ - تصوير إمكان جعل حكم شرعي على وفق حكم العقل العملي
و إن كان غرضه و اهتمامه بدرجة أهم، و أقوى، و أشد مما كان يقتضيها حسن الفعل أو قبحه من محرّكية و مسئوليّة، فهذا لا يكون و لا يعلم إلا بإعمال المولى لمولويّته، و إصدار جعل شرعي يبرز تلك الدرجة من الاهتمام و الحفظ، فمثلًا: لو افترضنا أنّ الصدق لأجل حسنه كاف في إيجاد الداعي في نفس المكلف للتحرك و الانبعاث نحوه، و أنّ هذه المحركيّة التي يقتضيها حسن الصدق كافية لتحقيق غرض المولى، و أنّ المولى لا يريد اكثر مما يقتضيه الحسن الذاتي للصدق، فحينئذ لا معنى لإظهار مولويته هنا، و أما لو افترضنا أن الدرجة التي كان يقتضيها الصدق من المحرّكيّة و المسئولية لا تفي بغرض المولى، و أنّ غرضه أن تكون هناك مسئولية و محركيّة أقوى و أشد مما كان الصدق يقتضيها بذاته، فلا بد في هذه الحالة من أن يتصدى المولى لإبرازها و إظهارها عن طريق الأمر بالصدق؛ كي يحقق هذه الدرجة العليا من الباعثيّة و المحرّكيّة، و تكون مناطاً للثواب و العقاب، فهذا هو تصوير أصل القضية من الناحية النظرية و الثبوتية.
أما كيفية إثبات أن غرض المولى من النوع الأول أو الثاني، فهذا قد يكون بدليل شرعي يبرز من خلاله شدة اهتمامه بهذا الفعل أو ذاك، و قد يكون راجعاً إلى مناسبات و أذواق عقلائيّة تبلغ إلى مرتبة من الجزم و اليقين.
و بهذا ينتهي البحث عن الملازمات العقلية، و أصل إدراك العقل لقضية ما، و التي كنا
نعبر عنها بالبحث الصغروي في الدليل العقلي، و بعد ذلك، يقع البحث في كبرى الدليل العقلي، و هي: عبارة عن: حجية الدليل العقلي، أو قل: حجية ذلك الإدراك العقلي الذي تم إثباته في بعض الموارد المتقدمة، و بدون إثبات ذلك، يسقط الدليل العقلي بكامله عن كونه دليلًا من أدلة الاستنباط.