البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٦٦ - الاتجاه الثالث لا ملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و لا بينه و بين عدم حكمه
تحقيق الحال في هذا الاتجاه:
قوله (قدس) ص ٤٢٩: «و يرد على ذلك أن حسن الأمانة ... الخ».
و لتحقيق الحال في هذا الاتجاه، نقول: إن ما هو ملاك الحسن و القبح عند العقلاء، هو: أن الحسن مما يمدح فاعله، و القبيح مما يذمّ فاعله، و هذا الملاك و إن كان يستبطن درجة من الإدانة، و المحرّكيّة، و المسئوليّة؛ لأنه لا شك في كون المدح محرّكاً نحو الفعل الذي يمدح فاعله بدرجة ما، كما أن الذم يكون زاجراً عنه بدرجة ما، فحسن الأمانة و المدح عليها، يحرّك نحو فعلها، كما أنّ قبح الخيانة و الذم عليها، يكون زاجراً عن فعلها، و لكن مجرّد ذلك لا يحول دون صحة أمر الشارع بالصدق، و نهيه عن الخيانة؛ فإنّ أمر الشارع و نهيه يؤدي إلى نشوء ملاك آخر للحسن و القبح، لا يقتضيه نفس كون الحسن مما يمدح فاعله، أو كون القبيح مما يذم فاعله، و هذا الملاك الأخر، هو: عبارة عن: حسن الطاعة و قبح المعصية، فالأمانة المأمور بها شرعاً يوجد فيها ملاكان للحسن، أحدهما: ما يقتضيه نفس الفعل، و الآخر: ما تقتضيه طاعة أمر المولى بذلك الفعل، كما أن الخيانة المنهي شرعاً عنها، يوجد فيها ملاكان للقبح، أحدهما: ما يقتضيه نفس الفعل، و الآخر: ما تقتضيه معصية نهي المولى المتعلق بذلك الفعل، و من الواضح: إنّ هذا سوف يؤدي إلى تأكّد المسئوليّة و المحركيّة التي كان يقتضيها نفس الحسن أو القبح في الفعل، فلا لغوية في المقام.
و بهذا البيان، اتضح أنّه لا ملازمة بين حكم العقل العملي و بين حكم الشارع على طبقه،
و لا بينه و بين عدم حكمه، فكلا الاتجاهين المتقدمين غير صحيح [١].
الاتجاه الثالث: لا ملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و لا بينه و بين عدم حكمه
قوله (قدس) ص ٤٢٩: «و بذلك يتضح أنه لا ملازمة ... الخ».
بعد أن تبيّن عدم صحة الاتجاه الأول، و تبيّن عدم صحة الاتجاه الثاني، من خلال بيان
[١] قال الفاضل التوني في الوافية ص ١٦٩: «الباب الرابع: في الادلة العقلية و تحقيق ما يعتمد عليه منها و ما لا يعتمد عليه، و هي أقسام: الاول: ما يستقل بحكمه العقل، كوجوب قضاء الدين، ورد الوديعة، و حرمة الظلم، و استحباب الاحسان، و نحو ذلك. كذا ذكره المحقق في المعتبر، و الشهيد في الذكرى، و غيرهما. و حجية هذه الطريقة: مبنية على الحسن و القبح العقليين. و الحق ثبوتهما؛ لقضاء الضرورة بهما في الجملة، و لكن في إثبات الحكم الشرعي كالوجوب و الحرمة الشرعيين بهما نظر و تأمل».