البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٥٧ - المقام الأول الملازمة بين حكم العقل النظري و حكم الشارع
و يدرك أيضاً كل ما هو دخيل فيها من: شرائط، و عدم وجود المانع الذي يحول دون تأثير تلك المصلحة لمقتضاها، و عدم مزاحمتها بمفسدة أخرى تحول دون ذلك، ففي مثل هذه الحالة، سوف يستكشف العقل الحكم الشرعي المرتبط بذلك الملاك التام استكشافاً لمياً بالانتقال من العلة إلى المعلول؛ لما ذكرناه من أن علاقة الحكم بملاكه التام بمثابة علاقة المعلول بعلته التامة.
و أمّا بالنسبة إلى اللحاظ الثاني، و هو: ملاحظة الواقع الخارجي، فنرى أنه من الصعب جداً- في كثير من الأحيان- إدراك العقل لكل ما هو دخيل في ثبوت الحكم، من: مصلحة في الفعل، و خصوصياته، و شرائطه، و عدم وجود مزاحم و مانع يمنع من استيفاء تلك المصلحة، و عدم مفسدة مزاحمة لتلك المصلحة، و غير ذلك من الأمور التي تكون دخيلة في ثبوت الحكم.
و الصعوبة المذكورة، نشأت من أن العقل البشري محدود الاطلاع، و قاصر عن الوصول إلى كل شيء، و هذا مما يؤدي إلى خلق شعور لدى الشخص يجعله يحتمل غالباً أن اطلاعه قاصر، و لا يمكنه الإحاطة بكل ما له دخل في الحكم الشرعي، فقد يدرك المصلحة في فعل ما، و لكن، مع ذلك، تراه يتردد في مدى أهمية تلك المصلحة عند المولى، و هل هي بتلك الدرجة من الأهمية التي توجب جعل حكم على طبقها أم لا؟ و إذا افترضنا أنه أدرك انها بتلك الدرجة من الأهمية التي توجب جعل حكم على طبقها، فلا يمكنه أن يدرك- بنحو الجزم و اليقين- عدم وجود مانع يحول دون استيفاء تلك المصلحة، أو عدم وجود مزاحم لتلك المصلحة، فكل هذه الأمور و غيرها تجعله لا يستطيع أن يكتشف على نحو الجزم و اليقين ثبوت الحكم على طبق ما أدركه من مصلحة، وعليه، فلا يتم عنده الاستكشاف الجزمي و اليقيني.
و منه، يظهر أن كبرى الملازمة ثابتة بلا إشكال، و صغراها ممكنة من الناحية النظرية،
و لكن لا سبيل إليها من الناحية العملية و الوقوعية [١].
[١] و إلى هذا المعنى ربّما يرجع ما ينسب إلى الاخباريين عادة، من عدم حجية الدليل العقلي، و هو ما تساعد عليه بعض كلماتهم، فراجع.