تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٩٤ - جني جني
و إِنَّ دَماً لو تَعْلَمِينَ جَنَيْتُه # على الحَيِّ جاني مِثْلِه غَيْرُ سالم [١]
ثم ظاهِرُ سِياقِ المصنِّفِ أَنَّه حقيقَةٌ.
و صَرَّحَ الرَّاغبُ أَنَّه مُسْتعارٌ من جَنَى الثَّمرَةَ كما اسْتُعِيرَ اجْتَرَم فتأَمَّل.
و ١٦- في الحديثِ : «لا يَجْني جانٍ إلاَّ على نَفْسِهِ» . ؛ الجِنايَةُ الذَّنْبُ و الجُرْم و ما يَفْعَلُه الإنسانُ ممَّا يُوجِبُ عليه العقاب أَو القصَاص في الدّنْيا و الآخِرَةِ، و المعْنَى أنَّه لا يُطالَبُ بجِنايَةِ غيرِهِ مِن أَقارِبِه و أَباعِدِه، فإذا جَنَى أَحدُهم جِنَايَةً لا يُطالَبُ بها الآخَرُ.
و قالَ شَمِرٌ: جَنَيْتُ لكَ و عَلَيْك؛ و منه قوْلُه:
جانِيكَ مَنْ يَجْني عليك و قَدْ # تُعْدِي الصِّحاحَ فتَجْرَبُ الجُرْبُ [٢]
قالَ أَبو عبيدٍ: قوْلُهم جانِيكَ مَنْ يَجْني عليك يُضْرَبُ مَثَلاً للرَّجُلِ يُعاقَبُ بجِنايَةٍ و لا يُؤْخَذُ غيرُه بذَنْبِهِ، إنَّما يَجْنِيك مَنْ جِنايَتُه راجِعَة إليك، و ذلكَ أَنَّ الإِخْوةَ يَجْنُون على الرجُلِ، يدلُّ على ذلكَ قوْلُه: و قد تُعْدِي الصِّحاحَ الجُرْبُ.
و قالَ أَبو الهَيْثم في قوْلِهم: جانِيكَ مَنْ يَجْني عليك:
يُرادُ به الجانِي لكَ الخَيْرَ مَنْ يَجْني عليك الشرَّ؛ و أَنْشَدَ:
و قد تُعْدِي الصِّحاحَ مَباركُ الجُرْبِ
و جَنَى الثَّمَرَةَ و نحوَها يَجْنيها جَنىً ، اجْتَنَاها ، أَي تَنَاوَلَها من شَجَرتِها، كتَجَنَّاها ؛ قالَ الشاعِرُ:
إذا دُعِيَتْ بما في البَيْتِ قالتْ # تَجَنَّ من الجِذَالِ و ما جنيتُ [٣]
قالَ أَبو حنيفَةَ: هذا شاعِرٌ نَزَلَ بقوْمٍ فقَرَوْهُ صَمْغاً و لم يَأْتوه به، و لكنْ دَلُّوه على موْضِعِه و قالوا: اذْهَبْ فاجْنِه ، فقالَ هذا البَيْتَ يَذُمُّ به أُمَّ مَثْواهُ، و اسْتعارَهُ أَبو ذُؤَيْبٍ للشَّرَف؛ فقالَ:
و كِلاهُما قد عاشَ عِيشةَ ما جنى # و جَنَى العلاءَ لو انَّ شيئاً يَنْفَعُ [٤]
و هو جانٍ لصاحِبِ الجنايَةِ و جانِي الثَّمرَةِ، ج جُناةٌ ، كقاضٍ و قُضاةٍ، و جُنَّاءٌ ، كرُمَّانٍ، عن سِيْبَوَيْه؛ و أَجْناءٌ . قالَ الجَوْهرِيُّ: نادِرٌ. و منه المَثَلُ: أَجْناؤُها أَبْناؤُها ، أَي الذين جَنَوْا على هذه الدّارِ بالهَدْمِ هُم الذين كانوا بَنَوْها؛ حَكَاهُ أَبو عبيدٍ.
قالَ الجوْهرِيُّ: و أَنَا أَظنُّ أَنَّ أَصْلَ المَثَل جُناتُها بُناتُها، لأنَّ فاعلاً لا يُجْمَع على أَفْعالٍ، فأما الأَشْهادُ و الأَصْحابُ فإنَّما هما جَمْع شَهْدٍ و صَحْبٍ، إلاَّ أَن يكونَ هذا من النوادِرِ لأنّه يَجِيءُ في الأَمْثالِ ما لا يَجيءُ في غيرِها، انتَهَى.
و قالَ ابنُ سِيدَه: و أُراهُم لم يُكَسِّرُوا بانياً على أَبْناءٍ و جانِياً على أَجْناء إلاَّ في هذا المَثَل.
قالَ ابنُ بَرِّي: ليسَ المَثَل كما ظَنَّه الجوْهرِيُّ من قوْلِه جُناتُها بُناتُها، بلِ المَثَلُ كما نَقَل، لا خِلافَ بينَ أَحدٍ من أَهْلِ اللغَةِ فيه، قالَ: و قَوْله أَنَّ أَشْهاداً و أَصْحاباً جَمْعُ شَهْدٍ و صَحْب سَهْوٌ منه، لأنَّ فَعْلاً لا يُجْمَع على أَفْعالٍ إلاَّ شاذّاً، و مذْهَبُ البَصْرِيِّين أَنَّ أَشْهاداً و أَصْحاباً و أَطْياراً جَمْع شاهِدٍ و صاحِبٍ و طائِرٍ.
قالَ: و هذا المَثَلُ يُضْرَبُ لمَنْ عَمِلَ شيئاً بغيرِ رَوِيَّةٍ فأَخْطَأَ فيه ثم اسْتَدْرَكَه فنَقَضَ ما عَمِلَه، و أَصْله أنَّ بعضَ مُلُوكِ اليمنِ غزا و اسْتَخْلفَ ابْنَتَه فبَنَتْ بمَشُورةِ قوْمٍ بُنْياناً كَرِهَه أَبُوها، فلمَّا قَدِمَ أَمَرَ المُشِيرِينَ ببِنائِه أَن يَهْدمُوه، و المعْنَى أنَّ الذين جَنَوْا على هذه الدارِ بالهَدْمِ هُم الذين كانوا بَنَوْها، فالذي جَنَى ، و المَدينَةُ التي هُدِمَتْ اسْمُها بَراقِشُ، و قد ذَكَرْناها في فَصْل برقش.
و جَناها له؛ كذا في النسخِ و في بعضٍ: جَنَى مالَهُ؛ و جَنَّاهُ إِيَّاها. و قالَ أَبو عبيدٍ: جَنَيْتُ فُلاناً جَنيّ ، أَي جَنَيْتُ له؛ قالَ:
[١] اللسان و فيه: جاني» .
[٢] اللسان و التهذيب من غير نسبة.
[٣] اللسان.
[٤] ديوان الهذليين ١/٢١ برواية: «عيشة ماجدٍ» و اللسان.