تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٠٥ - نزه نزه
و قد نَزُهَ المَكانُ، ككَرُمَ، و ضَرَبَ، نَزاهَةً و نَزاهِيَةً ، بالتّخْفِيفِ، و اقْتَصَرَ الزَّمَخْشريُّ على حَدّ كَرُمَ.
و الذي في الصِّحاحِ: نَزِهَتِ الأرضُ، بالكسْرِ؛ و مثْلُه في المُحْكَمِ و المِصْباحِ.
قالَ شيْخُنا: و هو الصَّوابُ كما يُؤيّدُه المَصْدَرُ و الصِّفَةُ.
*قُلْتُ: أَمَّا المَصْدَران فيُؤَيِّدَان أنَّه مِن حَدِّ كَرُمَ كما ذَكَرَه المصنِّفُ، و كَذلِكَ رَفُهَ رَفاهَةً و رَفاهِيَةً، أَو مِن حَدِّ سَمِعَ ككَرِهَ كَراهَةً و كَراهِيَةً.
و في كَلامِ بعضِهم ما يدلُّ أَنَّه نَزُهَ الرَّجُلُ، ككَرُمَ، نَزاهَةً : إذا تَباعَدَ عن كلِّ مَكْرُوهٍ فهو نَزِيهٌ . و أَمَّا نَزِهَ المَكانُ و الأرضُ فليسَ إلاَّ كفَرِحَ، فتأَمَّلْ.
و اسْتِعْمالُ التَّنَزُّهِ في الخُروجِ إلى البَساتينِ و الخُضَرِ و الرِّياضِ غَلَطٌ قَبيحٌ. و أَصْلُ هذا الكَلام عن ابنِ السِّكِّيت لأنَّه قالَ: و ممَّا يَضَعُهُ الناسُ في غيرِ مَوْضِعِهِ قَوْلهم:
خَرَجْنا نَتَنَزَّه إذا خَرَجُوا إلى البَساتينِ، قالَ: و إنَّما التَّنَزُّه التَّباعُدُ عن الأَرْيافِ و المِياهِ؛ و منه قيلَ: فلانٌ يَتَنَزَّهُ عن الأَقْذارِ و يُنَزِّهُ نَفْسَه عنها، أَي يُباعِدُها عنها؛ هذا نَصُّ الصِّحاحِ.
و في المُحْكَم: تَنَزَّهَ الإنْسانُ خَرَجَ إلى الأرضِ النَّزِهَةِ ، و العامَّةُ يَضَعُونَ الشيءَ في غيرِ مَوْضِعِه و يَغْلطُونَ فيَقُولونَ: خَرَجْنا نَتَنَزَّهُ إذا خَرَجُوا إلى البَساتينِ، فيَجْعلُونَ التَّنزُّهَ الخُروجَ إلى البَساتِينِ و الخُضَرِ و الرِّياضِ، و إنَّما التَّنزُّهُ التَّباعُدُ عن الأرْيافِ و المِياهِ حيثُ لا يكونُ ماءٌ و لا نَدًى و لا جَمْعُ ناسٍ، و ذلِكَ شِقُّ البادِيَةِ؛ و منه قيلَ: فلانٌ يَتَنَزَّه عن الأَقْذارِ و يُنَزِّهُ نَفْسَه عنها، أَي يُباعِدُ نَفْسَه عنها.
قالَ شيْخُنا نَقْلاً عن الشّهاب: لا يَخْفى أَنَّ العادَةَ كَوْن البسَاتينِ في خارِجِ القُرَى غالِباً و لا شكَّ أنَّ الخُروجَ إليها تَباعُدٌ، فغايَةُ ما يَلْزم كَوْنه حَقِيقَة قاصِرَة فالعجبُ مِن التَّغْلِيطِ في ذلِكَ مع تَسْلِيمِ كَوْنِ التَّنزُّهِ التَّباعُدُ، على أَنَّ المصنِّفَ فَسَّرَ التَّنَزُّهَ بالتَّباعُدِ مُطْلقاً و لم يقيِّدْه كما تَرَى، فتَغْلِيطُه الناسَ عَجِيبٌ بِلا مراء، انتَهَى.
*قُلْتُ: و في الأساسِ: و خَرَجُوا يَتَنَزَّهُونَ يَطْلُبُونَ الأماكِنَ النَّزِهَةَ ، انتَهَى، أَي البَعِيدَة عن المِياهِ و حيثُ أنَّ التَّنَزُّهَ جعل التَّباعُد عن الأريافِ و المِياهِ حيثُ لا يكونُ ماءٌ و لا نَدًى و لا جَمْعُ ناسٍ، كما هو في المُحْكَم، فاسْتِعْمالُه في الخُروجِ إلى البَساتينِ و الخُضَرِ التي مادَّةُ حَياتِها غَمَق [١] المِياهِ و الأنْدِيَة و من لازَمَها الأُوبية و جَمْع النَّاس اسْتِعْمالٌ بالضِّدِّ، فهو حَقِيقٌ بالتَّغْلِيطِ فطنَ له ابنُ السِّكِّيت و غَفَل عنه الشَّهاب، يظهرُ ذلكَ بالتَّأَمُّل الصَّادِقِ.
و تَفْسِيرُ المصنِّفِ التَّنزُّه بالتَّباعُد صَحِيحٌ، و هو قد يكونُ بالتَّباعُدِ عن المِياهِ، و قد يكونُ عن الأَقْذارِ و الأسْواءِ، و قد يكونُ عن المذامِّ، فإذا قالوا: خَرَجُوا يَتَنَزَّهُونَ ، أَرادُوا التَّباعُدَ عن الأريافِ و المَواضِعِ النَّدِيَّة، و إذا قالوا في الرَّجُلِ: هو يَتَنَزَّهُ أَرادُوا به البُعْدَ عن الأقذارِ أَو المَذامِّ، و إذا أَطْلَقُوه على البارِي سبحانه، أَرادُوا به التَّقْدسَ عن الأنْدادِ و عمَّا لا يَجوزُ عليه من النَّقائِصِ، فتأَمَّل ذلِكَ.
و يلِي تَقْرير الشَّهاب ما قالَهُ ملا عليّ في نامُوسِه: هذا غَيْرُ صَحيحٍ لأنَّ مادَّةَ الاشتِقاقِ فيه صَرِيح، فالبُستانُ مَكانٌ نَزِهٌ و الخُرُوجُ إليه تَباعُدٌ عن مَكْرُوهٍ في زَمانِ هَمِّ أَو خاطِرٍ مَغْمومٍ، أَو مَكان غَيْر مُلائمٍ و إخْوان سُوءٍ و هَواء مُتَعَفِّن و أَمْثال ذلِك قُلْتُ: قَوْلُه فالبُسْتانُ مَكانٌ نَزِهٌ غَيْرُ صَحِيحُ، لأنَّ النَّزِهَ فَسَّرُوه بالبَعِيدِ عن المِياهِ، و البُسْتان لا يكونُ بَعيداً عن الماءِ بل إنَّما مادَّتُهُ كَثْرَةُ الماءِ، و قَوْلُه: و هَواء مُتَعَفِّن هذا غَيْرُ صَحيحٍ أَيْضاً لأنَّ تَعَفُّنَ الهَواءِ في الأماكِنِ النَّدِيَّةِ أَكْثَر، كما قالَهُ الأطبَّاء.
رَدَّ عليه شيْخُنا فقالَ: هو كَلامٌ غَيْرُ مُقْنِعٍ و سَجَع كسَجَع الكُهَّان و تَعْرِيفٌ للتَّنزُّهِ بِما يَتَنَزَّهُ عنه الصِّبْيان، و لا يَتَوَقَّفُ على ما ذُكِرَ مِن المُوجِبَات؛ ثم قالَ: و كَلامُ الشَّهاب أَقْرَبُ إلى الصَّوابِ، و قد أَوْضَحَه في شفاءِ الغليلِ بأَزْيَد ممَّا مَرَّ.
*قُلْتُ: و قد عملت أَنَّه مُخالِفٌ لكَلامِ الأئِمَّةِ،
[١] عن اللسان، و بالأصل بالعين المهملة.