تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٢٢ - هيه هيه
و أَيْهاتَ و هَيْهاهَ و هَيْهاتَ فهذه خَمْسُ لُغاتٍ.
و قالَ أَبو عَمْرٍو بنُ العَلاءِ: إذا وصَلْتَ هَيْهاتَ فَدَعِ التاءَ على حالِها، و إذا وَقَفْتَ فقُلْ هَيْهات هَيْهاه .
و قالَ سِيْبَوَيْه: مَنْ كَسَرَ التاءَ فهي بمنْزِلَةِ عِرْقاتٍ، تقولُ اسْتَأْصَلَ اللَّهُ عِرْقاتِهم، فمَنْ كسَرَ التاء جَعَلَها جَمْعاً واحِدُها عِرْقَةٌ، و هَيْهَةٌ ، و مَنْ نَصَبَ التاء جَعَلَها كلمةً واحِدَةً.
و ذَكَرَ ابنُ الأنبارِي فيها سَبْع لُغاتٍ، قالَ: فمَنْ قالَ هَيْهاتَ بفتْحِ التاءِ بغيْرِ تَنْوينٍ شَبَّه التاءِ بالهاءِ، و نَصَبَها على مَذْهَبِ الأَداةِ، و مَنْ قالَ هَيْهاتاً بالتَّنْوِينِ شَبَّه بقوْلِه:
فَقَلِيلاً مََا يُؤْمِنُونَ [١] ، أَي فقَلِيلاً إيمانُهم، و مَنْ قالَ هَيْهاتِ شَبَّه بحِذامِ و قِطامِ، و مَنْ قالَ هَيْهاتٍ بالتَّنْوينِ شَبَّه بالأصْواتِ كقَوْلِهم: غاقٍ و طاقٍ، و مَنْ قالَ هَيْهاتُ لَكَ بالرَّفْعِ ذَهَبَ بها إلى الوَصْفِ فقالَ هي أَداةٌ و الأَدواتُ مَعْرِفةٌ، و مَنْ رَفَعَها و نَوَّنَ شَبَّه التاءَ بتاءِ الجَمْعِ.
قالَ: و المُسْتَعْملُ منها عالياً الفَتْح بِلا تَنْوينٍ.
و قالَ الفرَّاءُ: نَصْبُ هَيْهاتَ بمنْزِلَةِ نَصْبِ رُبَّتَ و ثُمَّتَ، و الأصْلُ رُبَّهْ و ثُمَّهْ؛ قالَ: و من كَسَرَ التاء لم يَجْعَلْها هاءَ تأْنِيثٍ؛ و جَعَلَها بمنْزِلَةِ دَراكِ و قَطامِ.
و قالَ ابنُ جنِّي: كانَ أَبو عليِّ يقولُ في هَيْهاتَ أَنا أُفْتي مرّةً بكَوْنِها اسْماً سُمِّي به الفِعْل كصَهْ و مَهْ، و أُفْتي مَرَّةً بكوْنِها ظرْفاً على قدْرِ ما يَحْضُرُني في الحالِ، و قالَ مَرَّةٌ أُخْرى إنَّها و إن كانتْ ظرْفاً فغَيْر مُمْتَنِع أَنْ تكونَ مع ذلكَ اسْماً سُمِّي به الفِعْلُ كعِنْدَكَ و دونَكَ.
و هي كلمةٌ مَعْناها البُعْدُ لقَوْلِكَ: و منه قَوْلُه تعالى:
هَيْهََاتَ هَيْهََاتَ لِمََا تُوعَدُونَ [٢] ، هذا إذا أدخلَ اللاَّم بَعْده، كما قالَهُ سِيْبَوَيْه.
و إذا لم تدخل فهي كلمةُ تَبْعِيدٍ. يقالُ: هَيْهاتَ ما قُلْتَ؛ و منه قَوْلُ جريرٍ السَّابِقِ.
و في كتابِ المُحْتَسب لابنِ جنِّي: قَرَأَ أَبو جَعْفرٍالثَّقَفيّ: هَيْهاتِ هَيْهاتِ ، بكَسْرِ التاءِ غَيْر مُنَوَّنَةٍ، و قَرَأَ عيسَى بنُ عُمَر بالتَّنْوينِ، و قرَأَ أَبو حَيْوَة: هَيْهاتٌ هَيْهاتٌ رَفْع مُنَوّن، و قَرَأَ عيسَى الهَمَدانيّ هَيْهات هَيْهات مُرْسَلَة التاءِ.
و رويت عن أَبي عَمْرٍو: أَمَّا الفتْحُ و هو قِراءَةُ العامَّة فعلى أنَّه واحِدٌ و هو اسمٌ سُمِّي به الفِعْلُ في الخَبَرِ، و هو اسمُ بُعْدٍ كما أَنَّ شَتَّان اسمُ افْتَرَقَ و أَوَّتاه اسمُ أَتَأَلم.
و مَنْ كَسَرَ فقالَ: هَيْهاتٍ مُنَوَّناً أَو غَيْر مُنَوّنٍ، فهو جَمْع هَيْهات ، و أَصْلُه هيهيات إلاَّ أنَّه حذفَ الألِفَ لأنَّها في آخِرِ اسمٍ غَيْرِ مُتَمَكِّن.
و مَنْ نَوَّنَ ذَهَبَ إلى التّنْكِيرِ أَي بعداً؛ و مَنْ لم يُنَوِّنْ ذَهَبَ إلى التَّعْريفِ أَرادَ البُعْدَ البُعْدَ؛ و مَنْ فَتَحَ وَقَفَ بالهاءِ لأنَّها كهاءِ أَرْطاة و سَعْلاة، و مَنْ كَسَرَ كَتَبَها بالتاءِ لأنَّها جماعَةٌ و الكَسْرَة في الجماعَةِ بمنْزِلَةِ الفَتْحة في الواحِدِ، و مَنْ قالَ: هَيْهاة هَيْهاةَ فإنَّه يَكْتُبُها بالهاءِ لأنَّ أَكْثَرَ القِراءَةِ هَيْهََاتَ * بالفتْحِ و الفَتْحُ يدلُّ على الإفْرادِ؛ غَيْر أَنَّ مَنْ رَفَعَ فقالَ هَيْهاةُ فإنَّه يحتملُ أَمْرَيْن: أَحَدُهما أَنْ يكونَ أَخْلصها اسْماً مُعْرباً فيه معْنَى البُعْد و لم يَجْعَله اسْماً للفِعْلِ فيَبْنيه كما بَنَى النَّاسُ غَيْره؛ و قوْلُه: لِمََا تُوعَدُونَ خَبَرٌ عنه فكأَنَّه قالَ: البُعْدُ لوَعْدِكُم؛ و الآخَرُ أَنْ تكونَ مَبْنِيةً على الضمِّ كما بُنِيَتْ نَحْن عليه، ثم اعْتَقَدَ فيه التَّنْكير فلحقه التَّنْوِين.
و أَمَّا هَيْهاتْ هَيْهاتْ ساكِنَةَ التاءِ فيَنْبَغِي أَنْ تكونَ جَماعَة و تُكْتَبُ بالتَّاءِ وَ ذلك أَنَّها لو كانتْ هاءً كهاءِ علقاة و سماناة للزِمَ في الوُقُوفِ عليها أَنْ يُلْفَظ بالهاءِ كما يُوقَف مع الفَتْحِ فيُقالُ هَيْهاه هَيْهاه ، فبَقَاء التَّاء في الوَقْفِ مع السكونِ دَليلٌ على أنَّها تاءٌ، و إذا كانتْ تاءً فهي للجماعَةِ.
قالَ شيْخُنا: ذَكَرَها المصنِّفُ هنا بناءً على أَنَّها مِن بابِ سلس عنْدَه على أنَّ الألِفَ و الفَوْقِية زائِدَتانِ. و أمَّا على ما اخْتارَه الرَّضيّ و غيرُه فموضِعُها فَصْل الهاءِ من بابِ الفَوْقية و لم يَتَعرَّض له المصنِّفُ بل لم يَعْرفْه فيمَا أَظنُّ.
[١] الآية ٨٨ من سورة البقرة.
[٢] المؤمنون، الآية ٣٦.