تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٣٧ - أتي أتي
و قالَ اللَّيْثُ: يقالُ أَتاني فلانٌ أَتْياً و أَتْيةً واحِدَةً و إِتْياناً ؛ فلا تقولُ إِتْيانَةً واحِدَةً إلاَّ في اضْطِرارِ شِعْرٍ قَبيحٍ.
و قالَ ابنُ جنِّي: حُكِي أَنَّ بعضَ العَرَبِ يقولُ في الأَمْرِ مِنْ أَتى : تِ ، فيَحْذفُ الهَمْزةَ تَخْفيفاً كما حُذِفَتْ من خُذْ و كُلْ و مُرْ، و منه قَوْلُ الشاعِرِ:
تِ لي آلَ زيْدٍ فابْدُهم لي جماعَةً # و سَلْ آلَ زيدٍ أَيُّ شيءٍ يَضِيرُها [١]
و قُرِىءَ: يومَ تَأْتِ ، بحذْفِ الياءِ كما قالوا لا أَدْرِ، و هي لُغَةُ هُذيْل؛ و أَمَّا قَوْلُ قَيْسِ بنِ زُهَيْر العَبْسيّ:
أَ لَمْ يَأْتِيكَ و الأَنْباءُ تَنْمِي # بما لاقَتْ لَبُون بني زِيادِ؟ [٢]
فإنَّما أَثْبَتَ الباءَ و لم يحذِفْها للجَزْمِ ضَرُورَةً، و رَدَّه إلى أَصْلِه.
قالَ المازِنيُّ: و يَجوزُ في الشِّعْرِ أَنْ تقولَ: زيْدٌ يرْمِيُكَ. برَفْعِ الياءِ، و يَغْزُوُك، برَفْعِ الواوِ، و هذا قاضِيٌ، بالتَّنْوينِ، فيجْري الحَرْف المُعْتَلّ مُجْرى الحَرْف الصَّحِيح في جَميعِ الوُجُوهِ في الأَسْماءِ و الأَفْعَالِ جَمِيعاً لأنَّه الأَصْلُ، كذا في الصِّحاح.
و آتَى إليه الشَّيءَ ، بالمدِّ، إِيتاءً : ساقَهُ و جَعَلَه يَأْتِي إليه و آتى فلاناً شيئاً إيتاءً : أَعْطاهُ إِيَّاهُ ؛ و منه قَوْلُه تعالَى:
وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [٣] : أَرادَ، و اللَّهُ أَعْلَم، أُوتِيْتَ مِن كلِّ شيءٍ شيئاً. و قَوْلُه تعالَى: وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ* [٤] .
و في الصِّحاح: آتاهُ أَتَى به؛ و منه قَوْلُه تعالى: آتِنََا غَدََاءَنََا [٥] ، أَي ائْتِنا به.
*قُلْتُ: فهو بالمدِّ يُسْتَعْملُ في الإِعْطاءِ و في الإِتْيانِ بالشيءِ.
و في الكشافِ: اشْتَهَرَ الإِيتاءُ في مَعْنى الإِعْطاءِ و أَصْلُه الإِحْضارُ. و قالَ شيْخُنا: و ذَكَرَ الرّاغبُ أَنَّ الإِيتاءَ مَخْصوصٌ بدَفْعِ الصَّدقَةِ؛ قالَ: و ليسَ كَذَلِكَ فقد وَرَدَ في غيرِهِ: ك آتَيْنََاهُ اَلْحُكْمَ [٦] ، و آتَيْناهُ الكِتابَ، إلاَّ أَنْ يكونَ قَصَد المَصْدَر فقط.
*قُلْتُ: و هذا غَيْرُ سَديدٍ، و نَصُّ عِبارَتهِ: إِلاَّ أَنَّ الإِيتاءَ خُصَّ بدَفْعِ الصَّدَقَةِ في القُرْآنِ دُونَ الإِعْطاءِ قالَ تعالَى: وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ* [٧] . و آتُوا اَلزَّكََاةَ* [٨] ؛ و وَافَقَه على ذلِكَ السَّمين في عمدَةِ الحفَّاظِ، و هو ظاهِرٌ لا غُبَارَ عليه، فتأَمَّل.
ثم بَعْدَ مدَّةٍ كَتَبَ إليَّ مِن بلدِ الخليلِ صاحِبُنا العلاَّمَة الشَّهاب أَحْمَدُ بنُ عبْدِ الغنيّ التَّمِيميّ إمامُ مَسْجده ما نَصّه: قالَ ابنُ عبْدِ الحقِّ السّنباطيّ في شرْحِ نظمِ النقاية في علْمِ التَّفْسِيرِ منه ما نَصّه: قالَ الخويي: و الإِعْطاءُ و الإِيتاءُ لا يَكادُ اللُّغويُّونَ يُفَرِّقُونَ بَيْنهما، و ظَهَرَ لي بَيْنهما فَرْقٌ يُنْبئُ عن بلاغَةِ كِتابِ اللَّهِ، و هو أَنَّ الإِيتاءَ أَقْوَى مِنَ الإِعْطاءِ في إثْباتِ مفْعولِه، لأنَّ الإِعْطاءَ له مُطاوعٌ بخِلافِ الإِيْتاءِ ، تقولُ: أَعْطاني فعطوت، و لا يقالُ آتَاني فأتيت ، و إنَّما يقالُ آتَاني فأَخَذْتُ، و الفِعْلُ الذي له مُطاوعٌ أَضْعَفُ في إثْباتِ مَفْعولِه ممَّا لا مُطاوِعَ له، لأنَّك تقولُ قَطَعْته فانْقَطَعَ، فيدلُّ على أَنَّ فِعْلَ الفاعِلِ كانَ مَوْقوفاً على قُبولِ المَحلِّ، لولاه ما ثَبَتَ المَفْعُولُ، و لهذا لا يصحُّ قَطَعْته فما انْقَطَعَ، و لا يصحُّ فيمَا لا مُطاوعَ له ذلكَ؛ قالَ: و قد تَفَكَّرْت في مَواضِع مِنَ القُرْآنِ فوَجَدْت ذلِكَ مُراعىً، قالَ تعالى: تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ [٩] ، لأنَّ المُلْكَ شيءٌ عَظيمٌ لا يُعْطاهُ إلاَّ مَنْ له قُوَّةٌ؛ و قالَ: إِنََّا أَعْطَيْنََاكَ اَلْكَوْثَرَ [١٠] ، لأنَّه مورود في المَوْقفِ مُرْتَحِل عنه إلى الجنَّة، انتَهَى نَصُّه.
*قُلْتُ: و في سِياقِه هذا عندَ التأَمُّل نَظَرٌ و القاعِدَةُ التي ذَكَرَها في المُطاوَعَةِ لا يَكادُ ينسحبُ حُكْمُها على كلِّ
[١] اللسان.
[٢] اللسان و الصحاح.
[٣] النمل الآية ٢٣.
[٤] المائدة الآية ٥٥ و الأعراف ١٥٦ النمل ٣ و لقمان ٤.
[٥] الكهف الآية ٦٢.
[٦] سورة مريم الآية ١٢.
[٧] المائدة الآية ٥٥.
[٨] البقرة الآية ٤٣ و وردت في آيات أخرى.
[٩] آل عمران الآية ٢٦.
[١٠] الآية الأولى من الكوثر.