تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٢٢ - بني بني
لو وَصَلَ الغَيْثُ أَبْنَيْنَ امْرَأً # كانت له قُبَّةٌ سَحْقَ بِجادْ [١]
قالَ ابنُ السِّكِّيت: أَي لو اتصلَ الغَيْثُ لأَبْنَيْنَ امْرأً أسَحْقَ بِجادٍ بَعْدَ أَنْ كانتْ لهُ قُبَّةٌ، يقولُ: يُغِرْنَ عليه فيُخَرِّبْنَه فيَتَّخذْنَها مِن سَحْقِ بِجادٍ بَعْد أَنْ كانتْ له قُبَّة.
و قالَ غيرُهُ: يَصِفُ الخَيْلَ يقول: لو سَمَّنَها الغيثُ بمَا يُنْبِتُ لها لأَغَرْتُ بها على ذَوي القِبابِ فأَخَذْتُ قِبابَهم حتى يكونَ البُجُدُ [٢] له أَبْنِيةً بَعْدها.
قالَ الجَوْهرِيُّ: و في المَثَلِ: المِعْزى تُبهي و لا تُبْني ، أَي لا تجعلُ منها الأَبْنِيةَ لأن أَبنيةَ العَرَبِ طِرافٌ و أَخْبِيَةٌ، فالطِّرافُ مِن آدَم، و الخِباءُ مِن صُوفٍ أَو وَبَر؛ و بخطِّ أَبي سَهْلٍ: مِن صُوفٍ أَو أَدَمٍ؛ و لا يكونُ مِن شَعَرٍ، انتَهَى.
و قالَ غيرُهُ: المعْنَى لا تُعْطِي من الثَّلَّة ما يُبْنى منها بَيْتٌ.
و قيلَ: المعْنَى أَنَّها تَخرِقُ البُيوتَ بوَثْبها عليها و لا تُعِينُ على الأَبْنِيةِ ، و مِعْزَى الأَعْرابِ جُرْدٌ لا يَطُولُ شَعرُها فيُغْزَلَ، و أَمَّا مِعْزَى بِلادِ الصَّرْدِ و الرِّيْفِ فإنَّها تكونُ وافِيَةَ الشُّعُورِ، و الأَكْرادُ يُسَوُّون بُيوتَهم مِن شَعَرِها.
و بِناءُ الكَلِمَةِ ، بالكسْرِ: لُزومُ آخِرِها ضَرْباً واحِداً مِن سُكونٍ أَو حَرَكةٍ لا لِعامِلٍ ، و كأَنَّهم إنَّما سَمّوه بِناءً لأنَّه لمَّا لَزِمَ ضَرْباً واحِداً فلم يتَغَيَّر تَغَيّر الإِعْرابِ، سُمِّي بِناء مِن حيثُ كانَ البِناءُ لازِماً مَوْضِعاً لا يَزُولُ مَن مكانٍ إلى غيرهٍ، و ليسَ كذَلِكَ سائِر الآلاتِ المَنْقولَةِ المُبْتَذَلَةِ كالخَيْمةِ و المِظَلَّةِ و الفُسْطاطِ و السُّرادِقِ و نَحْو ذلِكَ، و على [٣] أنَّه مُذ أُوقِع على هذا الضَّرْبِ مِن المُستَعْملاتِ المُزالَةِ مِن مكانٍ إلى مكانٍ لَفْظ البِناء شبِّها بذلِكَ مِن حيثُ كانَ مَسْكوناً و حاجزاً و مظلاًّ بالبِناءِ مِن الآجُرِّ و الطِّينِ و الجصِّ. و محمدُ بنُ إِسْحاقَ المَدنيّ البانِي ، سَمِعَ قالونَ ، قالَهُ الذهبيُّ.
*قُلْتُ: و مُقْتضاهُ أَنَّه فاعِلٌ مِن بَنا يَبْني ، و أَمَّا إِنْ كانَ مَنْسوباً إلى البَانِ، اسم لشَجَرةٍ، كما يُفْهَم ذلِكَ مِن سِياقِ بَعْضِهم، أَو إلى جَدِّه بانَةَ فمَحَلُّه النُّون كما هو ظاهِرٌ.
قالَ الحافِظُ: و موسَى بنُ عبدِ المَلِكِ الباني عن إسْحاق بنِ نجيح الملطي، و عنه أَحمدُ بنُ عيسَى الكُوفي؛ و عليُّ بنُ عبْدِ الرحمََنِ البانِي القاضِي عن أَبي أَسْلَم [٤] الكاتِب؛ قالَ الأَميرُ: سَمِعْتُ منه بمِصْرَ و كانَ ثِقَةً، و قد تقدَّمَ شيءٌ مِن ذلِكَ في النونِ.
و البَنِيَّةُ ، كغَنِيَّةٍ: الكَعْبَةُ لشَرَفِها إذ هي أَشْرَفُ مَبْنَيِّ .
يقالُ: لا و رَبِّ هذه البَنِيَّة ما كانَ كذا و كذا. و يقالُ لها أَيْضاً: بَنِيَّةُ إبْراهيمَ لأنَّه، عليه السلام، بَناها و قد كَثُرَ قَسَمُهم برَبِّ هذه البَنِيَّة .
و بَنَى الرَّجُلَ: اصْطَنَعَهُ ؛ قالَ بعضُ المُولّدين:
يَبْنِي الرَّجالَ و غيرُهُ يَبْني القُرَى # شَتَّانَ بين قُرىً و بينَ رِجالِ
و الباني : العَرُوس. و قد بَنَى على أَهْلِه بناءً ، ككِتابٍ، و بها ؛ حَكَاه ابنُ جنِّي هكذا معدياً بالباءِ؛ أَي زَفَّها. و في الصِّحاحِ، و العامَّةُ تقولُ: بَنَى بأَهْلِه، و هو خَطَأٌ، قالَ: و كأَنَّ الأَصْل فيه أَنَّ الدَّاخِلَ بأَهْلِهِ كانَ يَضرِبُ عليها قُبَّةً لَيْلة دُخولِه بها، فقيلَ لكلِّ داخِلٍ بأَهْلِه: بانٍ .
قالَ شيْخُنا: قَوْلُ الجَوْهرِيِّ هنا مُصادِم للأحادِيثِ الصَّحيحةِ الوَارِدَةِ عن عائِشَةَ و عروَةَ و غيرِهما مِن الصَّحابَةِ، رضِيَ اللَّهُ عنهم، و أَشارَ إلى تعقبه الحافِظُ بنُ حَجَر و النَّوويُّ و صاحِبُ المِصْباحِ و غيرُ واحِدٍ؛ انتَهَى.
قُلْتُ: و قد وَرَدَ بَنَى بأَهْلِه في شِعْرِ جِرَانِ العَوْدِ قالَ:
بَنَيْتُ بها قَبْلَ المِحَاقِ بليلةٍ # فكانَ مِحَاقاً كُلُّه ذلك الشَّهْرُ [٥]
[١] اللسان و الصحاح و التهذيب و الأساس بدون نسبة.
[٢] في اللسان: تكون البجد لهم أبنية، كالتهذيب.
[٣] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: و على أنه الخ هكذا العبارة بخط المؤلف، فتأمل ا هـ» .
[٤] في التبصير ١/١١٥: أبي مسلم.
[٥] اللسان.