تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢١٧ - بلي بلي
الاخْتِبار [١] ؛ كَبَلَوْتُه بَلْواً و بَلاءً. قالَ الرَّاغبُ: و إذا قيلَ ابتلى فلانٌ كذا و بَلاَهُ [٢] فذلِكَ يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْن: أَحَدُهما: تَعَرّفُ حالهُ و الوُقُوفُ على ما يُجْهَلُ مِن أَمْرِه؛ و الثاني: ظهورُ جودَتِه و رَداءَتِه، و رُبَّما قُصِدَ به الأَمْران، و رُبَّما يُقْصَدُ به أَحَدُهما، فإذا قيلَ في اللََّه بلى كذا و ابْتَلاه [٣] ، فليسَ المُراد منه إلاَّ ظُهُور جودَتِه و رَداءَته دونَ التَّعرُّفِ لحالِهِ و الوُقُوفِ على ما يجهَلُ منه، إذْ كانَ اللَّهُ علاَّمَ الغُيُوبِ، و على هذا قَوْلُه تعالى: وَ إِذِ اِبْتَلىََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [٤] .
و الاسْمُ البَلْوَى و البَلِيَّةُ ، كغَنِيَّةٍ؛ كذا بخطِّ الصقلي في نسخةِ الصِّحاحِ، و بخطِّ أَبي زكريَّا البِلِيَّة بالكسْرِ؛ و البِلْوَةُ ، بالكسْرِ كما في الصِّحاحِ أَيْضاً، و جَمَعَ بيْنهما ابنُ سِيدَه زادَ: و البَلاءُ .
و البَلاءُ : الغَمُّ كأنَّه يُبْلي الجِسْمَ، نَقَلَهُ الرَّاغبُ؛ قالَ:
و التَّكْليفُ بَلاءٌ مِن أَوْجُهٍ، لأنَّه شاقٌ على البَدَنِ، فصارَ بهذا الوَجْه بَلاءٌ ، أَو لأنَّه اخْتِبارٌ، و لهذا قالَ تعالى:
وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّى نَعْلَمَ اَلْمُجََاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ اَلصََّابِرِينَ [٥] ؛ أو لأنَّ اخْتِبارَ اللَّهِ العِبادَ تارَةً بالمَسَار ليَشْكرُوا و تارَةً بالمَضارِّ ليَصْبُروا.
و لهذا قالوا: البَلاءُ يكونُ مِنْحَةً و يكونُ مِحْنةً ، فالمِحْنَةُ مُقْتَضِيةٌ للصَّبْرِ، و المِنْحَةُ أَعْظَمَ البَلاءَيْنِ . و بهذا النَّظَرِ ١٧- قالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عنه : « بُلِينا بالضَّرَّاءِ فصَبَرْنا و بُلِينا بالسَّرَّاءِ فلم نَصْبر» . و لهذا ١- قالَ عليٌّ، رضِيَ اللَّهُ عنه :
«مَنْ وسِّع عليه دُنْياهُ فلم يَعْلَم أنَّه مَكْرٌ به فهو مَخْدوعٌ عن عَقْلِه» .
و قالَ تعالى: وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً [٦] ، وَ لِيُبْلِيَ اَلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاََءً حَسَناً [٧] ؛ و قَوْلُه: وَ فِيذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ* [٨] ، رَاجِعٌ إلى الأَمْرَيْن: إلى المِحْنَةِ التي في قوْلِه: يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ* ، الآيَة؛ و إلى المِنْحَة التي أَنْجاهُم، و كَذلِكَ قَوْلُه تعالى: وَ آتَيْنََاهُمْ مِنَ اَلْآيََاتِ مََا فِيهِ بَلََؤُا مُبِينٌ [٩] ، راجِعٌ إلى الأَمْرَين، كما وَصَفَ كتابَه بقَوْله: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً [١٠] ، الآيَة، انتَهَى.
و يقولونَ: نَزَلَتْ بَلاءِ على الكُفَّارِ، كقَطامِ، أَي البَلاءُ . قالَ الجَوْهرِيُّ: حَكَاهُ الأَحْمر عن العَرَبِ.
و أَبْلاهُ عُذْراً: أَدَّاهُ إليه فَقَبِلَهُ ؛ و قيلَ: بَيَّنَ وَجْهَ العذْرِ ليُزِيلَ عنه اللّومَ؛ و كَذلِكَ أَبْلاهُ جُهداً و نائِلَهُ.
و في الأساسِ: و حَقِيقَتُه جَعَله بالِياً لعُذْرِه، أَي خَابِراً له عالِماً بكُنْهِه.
و ١٧- في حدِيثِ برِّ الوَالِدَيْن : « أَبْلِ اللََّه تعالى عُذْراً في بِرّها» . أَي أَعْطِه و أَبْلِغ العُذْرَ فيها إليه، المعْنَى أَحْسِن فيمَا بَيْنك و بَيْنَ اللَّهِ ببِرِّك إيَّاها.
و أَبْلَى الرَّجُلَ يَمِيناً إِبلاءً أَحْلَفَهُ و أَبْلَى الرَّجُلَ: حَلَفَ له فطَيَّبَ بها نَفْسَه؛ قالَ الشاعِرُ:
و إني لأُبْلِي الناسَ في حُبِّ غَيْرها # فأَمَّا على جُمْلٍ فإنيَ لا أُبْلي [١١]
أَي أَحْلف للناسَ إذا قالوا هل تحبُّ غَيْرها أَنِّي لا أُحبُّ غَيْرَها، فأَمَّا عليها فإني لا أَحْلف؛ و قالَ أَوْس:
كأنَّ جَدِيدَ الأَرضِ يُبْلِيكَ عَنْهُمُ # تَقِيُّ اليَمِينِ بَعْدَ عَهْدِكَ حالِفُ [١٢]
أَي يَحْلفُ لَكَ جَدِيدُ الأَرضِ أنَّه ما حَلَّ بهذه الدارِ أَحَدٌ لدُرُوسِ مَعاهِدِها؛ و قالَ الراجزُ:
[١] في اللسان و الصحاح: الاختبار.
[٢] في المفردات: و أبلاه.
[٣] في المفردات: بلا كذا أو أبلاه.
[٤] سورة البقرة، الآية ١٢٤.
[٥] سورة محمد، الآية ٣١.
[٦] سورة الأنبياء، الآية ٣٥.
[٧] سورة الأنفال، الآية ١٧.
[٨] سورة إبراهيم، الآية ٦.
[٩] سورة الدخان، الآية ٣٣.
[١٠] سورة فصلت، الآية ٤٤.
[١١] اللسان، و روايته في التهذيب:
و إني لأبلي في نساء سواءها # فأما على ليلى فإني لا أُبلي.
[١٢] ديوان أوس بن حجر ط بيروت ص ٦٣ و اللسان و المقاييس ١/ ٢٩٤ و التهذيب.