تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٧٦ - فوه فوه
فَمِنْ بَابِ رِيحٍ و أَرْوَاحٍ إِذا لَمْ نَسْمَعَ أَفْيَاهاً ، و أَمَّا كَوْنُهُ جَمعَ الفاهِ ، فَإِنَّ الاِشْتِقَاقَ يُؤْذِنُ أَنَّ فَاهاً مِنَ الوَاوِ لِقَوْلِهِمْ مُفَوَّهٌ ، و أَمَّا كَوْنُهُ جَمعَ فُوهة فَعَلى خِلاَفِ القِيَاسِ كَمَا سَيَأْتِي.
و أَفْمَامٌ، و اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ جَمْعُ فَمِّ، مُشَدَّد المِيمِ، حَكَاهُ اللّحْيَانِي، وَ نَقَلَهُ شَارِحُ التَّسْهِيلِ، و اسْتَدَلَّ أَرْبَابُ هذا القَوْلِ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:
يَا لَيْتَهَا قَدْ خَرَجَتْ مِنْ فُمِّهِ # حَتَّى يَعُودَ المُلْكَ فِي أُسْطُمِّهِ [١]
يُرْوَى بِضَمِّ الفَاءِ، وَ فَتْحِهَا، عَنْ أَبَي زَيْدٍ؛ وَ مَنَعَهُ الأَكْثَرُونَ.
فَقَالَ ابنُ جِنيِّ فِي سِرِّ الصِّنَاعَةِ: إِنَّا لَمْ نَسْمَعْهُمْ يَقُولُونَ أَفْمَام.
وَ تَقَدَّم لِلْجَوْهَرِيِّ فِي المِيمِ: وَ لاَ تَقُلْ أَفْمَام.
وَ تَبِعهما الحَرِيري فِي درَّةِ الغَوَّاصِ.
و منهم مَنْ قَالَ: إِنَّ أَفْماماً لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ وَاحِدَ لَهَا مَلْفُوظاً عَلى القِيَاسِ لأَنَّ فَمَاً أَصْلُه فَوَهٌ ، بِالتَّحْرِيكِ أَو بِالتَّسْكِينِ، كَمَا يَأْتِي عن ابنِ جِنِّي، حُذِفَتِ الهَاءُ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ سَنَةٍ فِيمَنْ قَالَ عَامَلْتُهُ مُسَانَهةً، وَ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ شَاةٍ وَ عِضَةٍ وَ مِنْ اسْتٍ، وَ بِقَيتِ الواوُ طَرَفاً مُتَحَرِّكَة، فَوَجَبَ إِبْدالُهَا أَلْفاً لانْفِتَاحِ ما قَبْلَهَا فَبَقِيَ فاً ، و لاَ يَكُونُ الاِسْمُ عَلَى حَرْفَيْنِ أَحْدُهما التَّنْوِينُ، هكذا هو نَصُّ المُحْكَمُ، قَالَ شَيْخُنَا: الصَّوَابُ: أَحدهما الأَلف؛ فَأُبْدِلَ مَكَانَهَا حَرْفٌ جَلْدٌ مُشَاكِلٌ لَهَا و هو الميمُ لأَنَّهما شَفَهِيَّتَانِ، و في المِيمِ هُوِيٌّ في الفَمِ يُضَارعُ امْت ٢ دادَ الواوِ. و قالَ أَبو الهَيْثم: العَرَبُ تَسْتَثْقلُ وُقوفاً على الهاءِ و الحاءِ و الواوِ و الياءُ إِذا سَكَنَ ما قَبْلَها، فتَحْذِفُ هذه الحُروفَ و تُبْقِي الاسمَ على حَرْفَينِ كما حَذَفُوا الواوَ مِن أَبٍ و أَخٍ و غَدٍ و هَنٍ، و الياءَ من يَدٍ و دَم، و الحاءَ من حِرٍ، و الهاءَ من فُوهٍ و شَفةٍ و شاةٍ، فلمَّا حَذَفُوا الهاءَ من فُوهٍ بَقِيَتِ الواوُ ساكِنَةً، فاسْتَثْقلُوا وُقوفاً عليها فحَذَفُوها، فَبَقِيالاسمُ فاوَحْدها [٢] فوَصَلُوها بميمٍ ليَصِيرَ حَرْفَيْن، حَرْفٌ يُبْتدأُ به فيُحرَّك، و حَرْفٌ يُسْكَتُ علَيه فيُسَكَّن.
قالَ ابنُ جنِّي: و إِذا ثَبَتَ أَنَّ عينَ فَمٍ في الأَصْلِ واوٌ فيَنْبَغي أَن يُقْضَى بسكونِها، لأنَّ السكونَ هو الأَصْلُ حتى تَقومَ الدَّلالةُ على الحَركَةِ الزائِدَةِ. فإِن قلتَ: فهَلاَّ قَضَيْتَ بحركَةِ العَيْنِ لجَمْعِكَ إِيَّاه على أَفْواهٍ ، لأَنَّ أَفْعالاً إِنَّما هو في [٣] الأمْرِ العامِّ جمعُ فَعَلٍ نَحْوِ بَطَلٍ و أَبْطالٍ و قَدَم و أَقْدامٍ و رَسَنٍ و أَرْسانٍ؟فالجوابُ: أَنَّ فَعْلاً ممَّا عينُه واوٌ بابُه أَيْضاً أَفْعال، و ذلك سَوْطٌ و أَسْواطٌ، و حَوْضٌ و أَحْواضٌ، و طَوْقٌ و أَطْواقٌ، ففَوْهٌ لأَنَّ عيْنَه واوٌ أَشْبَه بهذا منه بقَدَمٍ و رَسَنٍ.
*قُلْتُ: و به جَزَمَ الرضى و الجوْهرِيُّ و غيرُهُما. و في الهمع: أَنَّه مَذْهَبُ البَصْرِيَّة، فجَمْعُه على أَفْواهٍ قياسِيّ.
و سِياقُ ابنُ سِيدَه يَقْتَضِي أَنَّه بالتَّحْرِيكِ. و عبارَةُ المصنِّفِ تَحْتملُ الوَجْهَيْن إِلاَّ أَنَّ أَفعالاً في فَعْل الأجْوف قَليلٌ، نَبَّه عليه شيْخُنا.
و قالَ الجوْهرِيُّ: الفُوهُ أَصْلُ قوْلنا فَم لأنَّ الجَمْعَ أَفْواهٌ إِلاَّ أَنَّهم اسْتَثْقلُوا الجَمْعَ بينَ هاءَيْن في قوْلِكَ هذا فُوهُه بالإِضافَةِ، فحَذَفُوا منها الهاءَ فقالوا فُوه و فُو زيْدٍ، و رأَيْت فَا زيْدٍ، و مَرَرْت بفِي زيْدٍ، و إِذا أَضَفْتَ إِلى نفْسِك قُلْتَ:
هذا فِيَّ ، يَسْتوِي فيه حالُ الرَّفْع و النَّصْبِ و الخَفْضِ، لأنَّ الواوَ تُقْلَبُ ياءً فتُدْغَم؛ قالَ: و هذا إِنَّما يقالُ في الإِضافَةِ، و رُبَّما قالوا ذلك في غيرِ الإِضافَةِ، و هو قَلِيلٌ؛ قالَ العجَّاجُ:
خالَطَ مِنْ سَلْمَى خياشِيمَ و فا # صَهْباءَ خُرْطوماً عُقاراً قَرْقَفَا [٤]
[١] اللسان.
[٢] في اللسان: فاءً.
[٣] بالأصل: «في» مكررة، و التصويب عن اللسان.
[٤] اللسان و الصحاح و التكملة، قال الصاغاني: و هو إنشاد مختل مداخل و الرواية:
صهباء خرطوماً عقاراً قرقفا # فشن في الإبريق منها نزفا
من رصف نازع سيلاً وصفا # حتى تناهى في صهاريج الصفا
خالط من سلمى خياشيم وفا.