بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٣٥ - ابطال تلك الدعوى
ب- الاحتمال الثاني: هو أن يكون ربط المتكلم بين الشرط و الجزاء، باعتبار انّ الجزاء ثابت على كل حال، سواء وجد الشرط أم لم يوجد، فكما يمكن للمتكلم أن يخبر عن هذا الجزاء بقول مطلق، كذلك، يمكنه أن يخبر عن حالة وجود شرط، و حينئذ، فيربط بينهما، و يكون ذلك، سكوتا عن الجزاء حال عدم وجود الشرط، و لا مانع منه، بعد أن كان الجزاء ثابتا على كل تقدير، و مثاله، قولنا: إذا كان الإنسان ناطقا، كان المطر نازلا.
الاحتمال الثالث: هو أن يفرض عدم وجود اعتقاد بالتلازم، و عدم علم بثبوت الجزاء على كل حال، و مع ذلك، يعقد المتكلم قضيّة شرطية خارجيّة ناظرة إلى جميع الأزمنة، كما يقول: كلما مطرت السماء، غرّد طائر، و المسوّغ لهذا الربط، هو علمه الغيبي بذلك، و أنه كلّما نزل مطر، غرّد طائر، و لو من باب الصدفة، فهذه احتمالات ثلاثة.
أمّا الاحتمال الثاني، فهو معقول ثبوتا إلّا أنّه خلاف الظاهر إثباتا، و الوجه في ذلك هو انّه إذا فرض ثبوت الجزاء على كل حال، سواء وجد الشرط أم لم يوجد بحيث لم يكن للشرط أيّ تأثير في ثبوت الجزاء، ففي مثله، لا معنى لإناطة الجزاء بالشرط، و يكون ذلك لغوا، فمن إناطة الجزاء بالشرط، يفهم عرفا انّ للشرط نوعا من التأثير في ثبوت الجزاء، و هذا جار حتى في التقييد بالوصف الذي لا مفهوم له، فمثلا لو قال المولى، «اكرم العالم العادل»، فإنّ التقييد بالعادل، يدل على انّ وجوب الإكرام غير ثابت لجميع العلماء، و إلّا لكان ذكر العدالة لغوا، نعم قد يشمل بعضا من غير العدول، لنكتة، فهذا المقدار من المفهوم، ثابت حتى للتقييد بالوصف، و قد سمّيناه بالسالبة الجزئية، كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.
و حينئذ، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للتقييد بالوصف، فبطريق أولى بالنسبة للتقييد بالشرط، فإذا رأى المتكلم انّ الجزاء ثابت في جميع الحالات، فلا معنى للتقييد بالشرط، لأنّ التقييد هو التحفظ عن بعض