بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠٧ - المقام الثاني فى الاصل العملى فى اثبات الجواز
القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، لأنّ الجواز بالمعنى الأعم، جامع محفوظ في ضمن الوجوب تارة، و في ضمن الاستحباب، أو الكراهة، أو الإباحة بالمعنى الأخص، تارة أخرى، و قد وجد في ضمن حصة و هي الوجوب، و هذه الحصة يعلم بارتفاعها، و نشك في بقائه في ضمن حصة أخرى، و هذا هو استصحاب الكلي من القسم الثالث، و هو لا يجري.
و هذا الاعتراض غير وارد، و ذلك، لأنّ الجواز بالمعنى الأعم ليس عبارة عن أمر وجودي محفوظ في ضمن الوجوب تارة و في ضمن الاستحباب أخرى، كعنوان الإنسان الذي يحفظ في عدة حصص، و إنّما الجواز الذي نريد أن نثبته، هو عبارة عن عدم الحرمة، إذ المفروض هو التأمين من جهة الحكم التّحريمي، و عدم الحرمة كان معلوما سابقا، و لا ينبغي أن يقال: إنّه من القسم الثالث من استصحاب الكلي، لأنّه لا تحصّص له في ضمن الوجوب تارة، و في ضمن الاستحباب أو الكراهة تارة أخرى، و إنّما هو حصة واحدة تقترن بالوجوب تارة، و بالاستحباب تارة أخرى، و هذا لا يجعله متغيرا و لا متعددا بحسب تعدد و اختلاف ما قارنه إذ العدم المشكوك هو عين ذلك العدم المتيقّن، و الأثر الذي هو التأمين، إنّما يترتب على الجواز بمعنى عدم الحرمة، بينما الجواز بالمعنى الأعم بمعنى آخر، جامع بين الأحكام الأربعة، كما أورد السيد الخوئي (قده)، فإنّه جواز بمعنى أعم ليس موضوعا لأثر عملي.
فالاعتراض إن أريد به أنّ الجواز هو أمر وجودي له حصص، فإنّنا مضافا إلى أنّنا لا نتصور مثل ذلك الجامع الوجودي، كما عرفت، فإنّنا لا نحتاج إلى استصحابه أيضا.
و إن أريد بالجواز بمعنى عدم الحرمة، فمن الواضح أنّه لا ينطبق عليه القسم الثالث من استصحاب الكلّي. لأن العدم لا يتعدد، و لا يتحصّص، و لا يختلف بتعدد و اختلاف و تحصص ما يقارنه. و إن قارن الوجوب تارة، و الكراهة تارة أخرى، و عليه، فهو من الاستصحاب الشخصي، و ليس الكلي.