بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٨٧ - ضابط استفادة المفهوم من الجملة
الأول، و حينئذ، فيرجع قولنا، «إذا جاءك زيد فأكرمه» إلى انّ أول وجود لوجوب إكرامه، معلّق على مجيئه، فإذا أثبتنا أنّ المجيء علة منحصرة لوجود وجوب الإكرام الأول، فيثبت المفهوم بالنسبة للوجود الأول، بمعنى، انّه إذا لم يجيء، فالوجود الأول لوجوب الإكرام، لا يثبت، إلّا انّ هذا لا يكفي لإثبات المفهوم الذي نحن بصدد إثباته، و الذي هو عبارة، عن نفي وجوب إكرامه قبل مجيئه، و انّه إذا جاء و أكرمناه فلا سبب آخر يقتضي وجوب إكرامه بعد ذلك، فهذا هو المفهوم الذي نحن بصدد إثباته.
و في محل الكلام، لو فرض «أنّ زيدا جاء و أكرمناه»، و بعد ذلك، فرض و احتملنا أن يكون مرضه سببا لوجوب إكرامه، فهنا لا يمكن أن ننفي هذا الاحتمال بهذا المفهوم، لأنّ غاية ما يدل عليه هذا المفهوم هو انّ الوجود الأول لوجوب الإكرام، لا يتحقّق إلّا بالمجيء، إلّا انّ ما فرضناه، هو وجود ثاني للوجوب، و هذا المفهوم لا يتكفّل بنفيه هذا الوجود الثاني، لأنّ كون المجيء علة منحصرة للوجود الأول لوجوب الإكرام، لا ينافي أن يكون المرض علة منحصرة للوجود الثاني لوجوب الإكرام كما هو واضح.
و بهذا يثبت، انّ كلا الركنين على هذا الفرض، لا يثبتان المفهوم بالمعنى الذي هو محل كلامنا.
و بهذا يتحصل، انّه على بعض التقادير، الركن الثاني، يكفي لإثبات المفهوم، بلا حاجة إلى إثبات الركن الأول، و على بعض التقادير الأخرى، لا يكون كلا الركنين وافيين لإثبات المفهوم.
و بهذا يثبت، انّ ما ذكره المشهور من الضابط، غير تام.
هذا هو حاصل الإشكال.
إلّا ان هذا الإشكال غير تام، لأنّه مبني على انّ الإطلاق الاستغراقي، يرجع إلى ملاحظة تمام الأفراد، و انّ الإطلاق بنحو صرف الوجود، يساوق الوجود الأول، مع انّ هذا غير صحيح.