بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٣٨ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
مع أنّ الفعل الخارجي كان واحدا، إذن فالمقربية و المبعديّة من شئون الداعي النفساني المحرّك نحو الفعل.
و هذا الداعي، يخلق في طول وجوده عنوانا ثانويا، إمّا حسنا أو قبيحا في هذا الفعل، و هذا العنوان الثانوي، يكون مقربا تارة بتبع مقربيّة الداعي، و مبعدا أخرى بتبع مبعديّة الداعي.
و على هذا، فلو أمكن وجود فعل واحد بداعيين: أحدهما إلهي، و الآخر شيطاني معا، فقد ثبت الاقتراب و الابتعاد معا، لأنّ السبب للقرب و البعد ليس هو الفعل، حتى يقال: كيف يعقل أنّ شيئا واحدا يوجب القرب و البعد إلى المولى في نفس الوقت، و ذلك لأنّ السبب هو الداعي و القصد، فإنّه مع تعدده، يعقل التقرب و الابتعاد معا.
و على ضوء هذه المقدمة، نقول: إنّه تارة يفترض أنّ مصلحة العبادة قائمة بخصوص الحصة المنهيّ عنها، و أخرى، يفترض أنّ المصلحة قائمة بالجامع بين الحصة المنهي عنها، و بقيّة الحصص المباحة.
فلو افترضنا أنّ المولى نهى عن الصلاة في الحمّام، و كان الأمر متعلقا بخصوص الصلاة في الحمّام، بمعنى أنّ المصلحة كانت قائمة بخصوص هذه الحصة من الصلاة، ففي مثله، لا يمكن التقرب بالصلاة في الحمّام، لما ذكر في هذا الملاك، فإنّ النّهي الفعلي يعجز المكلّف عن قصد التقرب بها.
و يستحيل في هذا الفرض أن يوجد داعي النّهي عند المكلف، ما يقربه من المولى، لأنّ هذا الداعي المفروض، إن فرض أنّه داع نحو الصلاة في الحمّام، فالمفروض أنّه لا يمكنه التقرب بها لما عرفت.
و إن فرض أنّه داع نحو الجامع بين الصلاة في الحمام، و الصلاة خارجه، فهذا باطل، لأنّ المفروض أنّ المصلحة قائمة في خصوص الصلاة في الحمّام، و لا ملاك، و لا مصلحة في الجامع.