بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٤٣ - * التنبيه السادس و قد عقد هذا التنبيه لبيان إمكان تصحيح الامتثال بإتيان المجمع
إنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد، لا بما هي هي، بل بما هي مؤثرة في الحسن و القبح عقلا، إذ إنّ الأحكام الشرعية هذه انعكاسات للواجبات و الألطاف العقليّة، و من الواضح إنّ تأثير المصلحة و المفسدة في الحسن و القبح، فرع العلم بالغصب:
إذ مع عدم العلم بالغصب: لا حكم شرعيّ بالحرمة، فيبقى دليل الوجوب على حاله، فتقع العبادة صحيحة، حيث لا ملاك و لا فعليّة للحرمة حتى تضاد و تنافي الوجوب.
و أمّا في فرض العلم بالغصب: فتكون المفسدة مؤثرة في القبح، و بالتالي مؤثرة في الحكم الشرعي بالحرمة، و معه تقع العبادة فاسدة.
و هذا الوجه غير تام أيضا، و يرد عليه أولا النقض السابق بنحو ما عرفت.
و يرد عليه ثانيا: إنّه لو تمّ هذا الوجه، لتمّ في فرض الجهل بالموضوع، و هو الغصب، و لا يتم في فرض الجهل بالحكم، و هو حرمة الغصب، و ذلك لأنّه في فرض الجهل بالغصب، تصح العبادة بالنحو الذي ذكر في هذا الوجه، و أمّا في فرض الجهل بحكم الغصب مع العلم بنفس الغصب، فإنّ هذا الجهل لا يمنع عن ثبوت الحرمة، لأنّ جهة الغصب معلومة، فتؤثر في القبح، لأنّ القبح تابع لوصول حيثيته أعني الغصب، و هي واصلة، و ليس تابعا لوصول نفس الحرمة- أعني، الحكم- لأنّنا فرضنا أنّ الحرمة هي تابعة له، لأنّ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد المؤثرة في الحسن و القبح. و عليه: ففي هذه الصورة تكون الحرمة موجودة، فلا تقع العبادة صحيحة، مع أنّ المشهور حكموا بصحتها في هذه الصورة أيضا، و هي العلم بالغصب مع الجهل بحكمه و هو الحرمة.
و يرد عليه ثالثا: إنّه لا دليل على ما ذكر، من أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد المؤثرة في الحسن و القبح العقليين، بل الدليل قام على عدمه، كما هو مذكور في محله.
نعم قام الدليل على تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد الواقعية، فلو التزم بما ذكر في الكفاية، للزم أنّه لا بدّ في المرتبة السابقة على الحكم، من