بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٦ - ٣- التحفظ الثالث العنوانان المتغايران المشتركان في ركن أساسي لهما و لكنهما مختلفان بالحيثية
كفاية تعدّد العنوان لدفع غائلة التضاد، و بحثناه بحثا تطبيقيا صغرويا، فأيضا نبحث بحثا تطبيقيا صغرويا الملاك الثالث لجواز الاجتماع و هو ثبوت كون المجمع متعددا و التقرب بالمجمع حتى لو كان منضما إلى مصداق الحرام كما تقدّم.
و إنما سلك المحققون من الأصوليين هذا المسلك لتصوير الجواز- و لم يكتفوا بتعدّد العنوان شافعا في جواز الاجتماع- لما اشتهر من أنّ الأحكام إنّما تتعلق بالعناوين، لا بما هي هي، بل تتعلق بها بما هي فانية في الخارج و حاكية عنه، و بهذا احتملوا كون المعروض إنّما هو الخارج.
و عليه، بنوا كون الخارج متعددا لتعدد العنوان الحاكي عنه، و بهذا جوّزوا الاجتماع، كما ذهب إليه الخراساني، و النائيني، و الخوئي، من تفسير فناء العنوان في المعنون، بمعنى أنّ الحكم المنصب على العنوان يسري و يقف على المعنون خارجا.
و قد أوضحنا هذه المغالطة عند عرض كلمات هؤلاء الأعاظم، حيث قلنا هناك: بأننا حتى لو سلّمنا بهذا التفسير للفناء و الإفناء بما ذهب إليه هؤلاء الأعاظم- من كون الحكم المنصب على العنوان يقف على المعنون خارجا- فمع هذا لا يلزم أن يكون الميزان في رفع غائلة التّضاد، و جواز الاجتماع هو تعدّد الوجود خارجا، لأنّ تفسير الفناء و الإفناء كما ذكروه، ليس معناه أنه يوجد شيئان: العنوان و المعنون. و أن الحكم يسري من الأوّل إلى الثاني، بل ليس هنالك إلّا معروض واحد للحكم و هو العنوان.
و هذا العنوان: تارة نلحظه بالحمل الأوّلي فيكون معروضا للحكم.
و أخرى نلحظه بالحمل الشائع الصناعي فلا يكون معروضا للحكم.
إذن فالفناء في الخارج عبارة عن لحظ العنوان بالحمل الأولي في مقام جعل الحكم، فيرى العنوان كأنه شيء في الخارج، فإذا تعدّد هذا العنوان تعدّد لا محاله مرئيّة و خارجيته دون أن يكون هناك أيّ ربط لذلك بالمعنون، أو الوجود الخارجي.