بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٩ - ٢- الدعوى الثانية هي إنّه لا بدّ في رفع غائلة التّضاد من تعدّد الوجود الخارجي، و لا يكفي تعدّد الوجود الذّهني
ينصب إلّا على الصورة القائمة في الذّهن، كما برهنّا عليه سابقا.
فالتعبير بالفناء، و توهم أنّ لدى المولى شيئين، أحدهما الفاني، و الآخر المفنيّ فيه، مجرد توهم، و بالتالي هو مستحيل، كما عرفت.
و إنّما معنى الفناء هو أنّ الصورة الذهنية الحاضرة لدى المولى، تارة ينظر إليها بالنظر التصوري، أي: بنظر الحمل الأولي. و أخرى ينظر إليها بالنظر التصديقي، أي: بنظر الحمل الشائع الصناعي، كما عرفت تفصيل ذلك سابقا أنّ مصبّ هذين النظرين هو هذه الصورة الذهنية الواحدة.
فإذا نظر إليها بالنظر التصديقي، فمعنى ذلك، أنّنا لاحظنا هذه الصورة الذهنية بحقيقتها، و هي كونها صورة ذهنية فقط.
و إذا نظر إليها بالنظر التصوري، فمعنى ذلك أننا لم نلحظ هذه الصورة بحقيقتها، و إنما لاحظناها بما هي ماهية خارجية، و لذا حكمنا على الصورة الذهنية للماء بهذا النظر، بأنّه، سائل بارد بالطبع، كما تقدم تفصيله. فتكون الصورة الدهنية حينئذ مرآة و فانية في الخارج. فالفناء هو عبارة عن لحاظ الصورة الذهنية بالنظر التصوري، لا بالنظر التصديقي، هذا هو معنى حقيقة الفناء.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الأحكام، و إن كانت متعلقة بالصور و العناوين الذهنية بما هي فانية في معنوناتها، إلّا أنّه ليس معنى الفناء أنّه سريان الأحكام إلى المعنونات الخارجية، كي يمتنع الاجتماع باعتبار أن الخارج حقيقة واحدة، و لا يتبعّض، بل معنى الفناء، هو أنّ الأحكام ترى من خلال هذه العناوين الذهنية بالنظر التصوري عين الخارج، و لا يعني كون هذه الأحكام أنّها ترى عين الخارج هكذا، أنّها تعرض على الخارج، و تتعلق به حقيقة، لأنّه يوجد عندنا عنوانين ذهنيّين قد لوحظا فانيين في الخارج، و حينئذ يكون عندنا شيئين مرئيّين في الخارج، فإنّ عالم الذهن هو عالم التحليل، فيحلّل الشيء الواحد إلى أشياء متعددة بعدد المفاهيم التي يراها