بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٢٢ - ٢- التنبيه الثاني، هو إنّك قد عرفت في الفارق بين الأمر و النّهي، أنّ الأمر يتعلق بإيجاد الطبيعة، و بما أنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد، فيكتفى في باب الأوامر، بإيجاد فرد واحد، و أمّا في النّهي فلا بدّ من إعدام جميع الأفراد
عن مقتضى هذه القاعدة العقلية، و ذلك لأنه إذا قال المولى: «ائت بأحد الفردين»، و أتى المكلّف بفرد واحد، فهذا يكون على مقتضى القاعدة، حيث يكتفى بالإتيان بفرد واحد.
و لكن لو قال المولى: «لا تأت بأحدهما»، فمقتضى القاعدة هو وجوب الاجتناب عن كلا الفردين لأنّ النّهي تعلّق بعنوان أحدهما، فلا بدّ من ترك كلا الفردين كي يتحقق إعدام العنوان كما هو مقتضى القاعدة، مع أنّنا نرى أنّ الاجتناب عن عنوان أحدهما يكفي فيه ترك أحد الفردين فقط و حينئذ يقال: كيف خرج هذا النحو عن مقتضى القاعدة، مع أنّ القاعدة قد حكم بها العقل، و حكمه غير قابل للتخصيص؟.
و إن شئت قلت: إنّ حكم العقل، بأنّ الطبيعة توجد بانوجاد فرد واحد، و لا تنعدم إلّا بانعدام جميع أفرادها، هذا الحكم العقلي ينطبق على كل كلي عقلي و طبيعة ما عدا الجامع الانتزاعي مثل «أحدهما»، فإنّ المولى لو طلب إيجاد أحدهما، اكتفي بإيجاد واحد من أفراد الطبيعة.
بينما إذا طلب المولى إعدام أحدهما، أو ترك أحدهما، فإنّه لا يفهم من خطابه تركهما و إعدامهما معا، مع أنّه من الواضح، أنّ الحكم العقلي، أو القاعدة العقلية لا تقبل التخصيص.
و في مقام الجواب عن ذلك نقول: إنّ الصحيح هو أنّ عنوان «أحدهما» و ما شابهه، ليس من الجوامع الحقيقية من قبيل الإنسان لأفراده، بل عنوان أحدهما هو مجرّد أمر ذهني يشار به إلى فرد بعينه في الخارج، أو إلى أحد فردين لا بعينه في الخارج.
و حينئذ لا يكون هذا جامعا ينطبق على كلا الفردين، المشار إليه و غيره كما في بقية الجوامع، و إنما هو كما في الواجب التعييني و التخييري، فيكون عنوان أحدهما من قبيل الدالة الجبريّة و الرياضيّة التي يعبّر بها عن الأعداد.