بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٢٠ - الجهة الثالثة فرق آخر بناء على أن النهي كان نهيا واحدا، و لم يكن انحلاليا
و هنا على مستوى البحث الفلسفي يقال بصحة الأول و خطأ الثاني.
و لكن بعد ربط البحث الأصولي بالبحث الفلسفي، يقال: بأنّ الكلي الطبيعي، إن كان وجوده على طريقة الهمداني، فحينئذ، هذه التفرقة بين كيفية امتثال الأمر و النّهي، تكون صحيحة كما تقدم.
و أمّا إذا كان وجود الكلي الطبيعي على النحو الأول المشهور، و هو الوجودات المتعددة، و أنّ وجود كل فرد ناقض لعدم الطبيعة في ضمن ذلك الفرد لا مطلقا، إذن لا يبقى معنى محصل لما اشتهر من أنّ الكلي الطبيعي يوجد بوجود فرد واحد، و لا ينعدم إلّا بانعدام تمام أفراده، إذ لا نتصور أن تكون الطبيعة محفوظة في فرد واحد، و رغم هذا، لا تنعدم إلّا بانعدام جميع الأفراد، ذلك لأنّ وجود الطبيعي في ضمن كل فرد لا يحفظ إلّا في ضمن ذلك الفرد، و لا ينعدم إلّا بانعدام ذلك الفرد، إذ كما أنّ هناك وجودات عديدة للطبيعة، فأيضا هناك أعدام عديدة لها، و حينئذ إذا كان الأمر متعلقا بوجود واحد، فكذلك يكون النّهي متعلقا بعدم واحد من تلك الأعدام.
و قد تقدم في بحث المرة و التكرار أنّ الربط بين المسألة الأصولية و المسألة الفلسفية غير صحيح.
و أمّا بطلان مسلك الفيلسوف الهمداني، إنما كان بلحاظ المسألة الفلسفية، و عالم الوجود الخارجي للكلي الطبيعي.
و لكنّه بلحاظ المسألة الأصولية، و في عالم الذّهن، فإذا أمكن توصل الذهن البشري إلى انتزاع جامع، يكون قدرا مشتركا بين الأفراد، و انعدام ما به الامتياز بينها، فإنّه حينئذ يصح كلام الفيلسوف الهمداني، إذ لا إشكال في وحدة الكلي الطبيعي عنوانا و مفهوما، و نحن، كلامنا في الأوامر و النّواهي ينصبّ على هذا الوجود الذّهني لهذا العنوان و المفهوم الواحد، لا الوجود الخارجيّ له، إذ إنّ هذا الوجود الذهني المتعلق للأمر و النّهي ملحوظ بما هو مرآة للخارج، فما يكون من هذا الوجود الذهني متعلقا للأمر