بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣١٩ - الجهة الثالثة فرق آخر بناء على أن النهي كان نهيا واحدا، و لم يكن انحلاليا
على بقية الأفراد، و يعبّر عن هذا الكلّي الطبيعي، بأنّ نسبته إلى الأفراد نسبة الأب الواحد إلى أبنائه، بخلاف الأول، فإنّه في الكلي الهمداني، كل حالة للفرد هي حالة لأبيه الكلّي الطبيعي.
و هنا على مستوى البحث الفلسفي يقال: بأنّ الإتجاه الأول هو الصحيح و الثاني خطأ.
و على مستوى البحث الأصولي: فقد ربط البحث الأصولي بالبحث الفلسفي، فقيل: بأنّ الكلي الطبيعي إن كان وجوده على طريقة الفيلسوف الهمداني، فحينئذ، التفرقة بين كيفية امتثال الأمر و النّهي، تكون صحيحة كما تقدّم في كلام المشهور من أنّ الكلي الطبيعي يوجد بفرد واحد، و لا ينعدم إلّا بانعدام تمام أفراده، لأنّ وجود الكلّي الطبيعي في كل فرد محفوظ في ضمن ذلك الفرد فقط، و لا يعدم إلّا بانعدام ذلك الفرد. فالوجودات العديدة للطبيعة يقابلها أعدام عديدة، فإذا تعلق الأمر بوجود واحد، فإنّ النّهي يتعلق بعدم واحد من تلك الأعدام، و حينئذ لا يبقى معنى لكلام المشهور.
و أمّا إذا كان وجود الكلّي على النحو الأول المشهور، و هو الوجودات المتعددة؛ و أنّ وجود كل فرد ناقض لعدم الكلي الطبيعي في ضمن ذلك الفرد، فإنّه حينئذ لا نتصور أن تكون الطبيعة محفوظة في فرد واحد، و لا تنعدم إلّا بانعدام جميع الأفراد، إذ تقدم و قلنا: إنّ وجود الكلّي الطبيعي و إن كان في أفراد متعددة، إلّا أنّها مقابلة بأعدام متعددة بعددها.
و الخلاصة، هي: إنّ نسبة الكلّي الطبيعي إلى أفراده الخارجية، هي نسبة الآباء إلى الأبناء، و في قبال كل وجود منها عدم، كما هو المسلك الصحيح و المشهور.
و في مقابل ذلك، مسلك الفيلسوف الهمداني، من أنّ نسبة الكلي الطبيعي إلى أفراده نسبة الأب الواحد إلى أبنائه فما يصيب أحدهم يصيبه، و ما يطرأ على الفرد من أفراده يطرأ عليه.