بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣١٧ - الجهة الثالثة فرق آخر بناء على أن النهي كان نهيا واحدا، و لم يكن انحلاليا
الطبيعة، و لا يكفي اجتناب بعض أفرادها، و إنما يقع العصيان و يحصل، بإيقاع فرد واحد من أفراد الطبيعة، و حينئذ يعتبر المكلّف بهذا عاصيا، و يسقط النهي حينئذ.
و هذا هو مفاد الكلام المشهور بين الأصوليين، بأنّ الأمر يمتثل بإيجاد فرد من أفراد الطبيعة الواحدة مفهوما، و لا تنعدم إلّا بانعدام تمام أفرادها.
و هذا الفارق فسّره الأصوليون على أنه مفاد حكم عقلي، و ليس مفاد دلالة لفظيّة، حيث قالوا: بأنّ الطبيعة مطلوبة الوجود في جانب الأمر، و هو يحصل بإيجاد فرد واحد، و مطلوبة العدم في جانب النّهي، و هو لا يحصل إلّا بانعدام جميع أفرادها.
و بما ذكرناه من التمييز بين هذا الفارق، و الفارق في الجهة السابقة، يتضح جملة من المغالطات وقعت في كلام الأصوليين، منها- على سبيل المثال- ما وقع في كلام المحقق العراقي (قده) [١] عند ما أراد أن يعالج الفرق بين الأمر و النهي «حيث لا يبقى الأمر بعد العصيان. بينما يبقى النهي بعد العصيان». حيث طرح النكتة التي ذكرناها سابقا. و أجاب عليها بالكلام المشهور حيث جعل الفارق العقلي في كيفيّة الامتثال، هو الفارق حيث يمتثل الأمر بإيجاد فرد، و النهي بإعدام جميع الأفراد كما ذكرناه آنفا بينما هذا ليس له دخل بل هو من تبعات ما عالجناه في الجهة الثانية.
و من الواضح أنّ كلام المحقق العراقي (قده) لا ربط له في دفع السؤال و الإشكال.
و قد عرفت أنّ الانحلالية في النّهي هي الموجب لبقاء النّهي بعد العصيان، و عدم الانحلاليّة هي الموجب لعدم بقاء الأمر بعد العصيان.
و بعد اتضاح هذه المسألة يتبيّن عندنا فارقان:
[١] مقالات الأصول: العراقي- ج ١- ص ١٢١- ١٢٢.