بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣١٦ - الجهة الثالثة فرق آخر بناء على أن النهي كان نهيا واحدا، و لم يكن انحلاليا
من إمكان إثبات النّهي بعد العصيان، بالتمسك بإطلاق المتعلق، حيث فسّر بقاء النّهي بمقتضى إطلاق المتعلق للشرب الثاني، حيث أن هذا الكلام غير صحيح لما أوضحناه، من أنّ إطلاق المتعلق الثابت بمقدمات الحكمة، لا يقتضي أكثر من كون الطبيعة بما هي موضوع لهذا الأمر.
و أمّا كون هذا الأمر استغراقيا، أو انحلاليا، فإنّه يحتاج إلى قرينة أخرى كما عرفت.
و أمّا بقاء النّهي بعد العصيان الأول، فإنّه من تبعات تكثّر النّهي و تعدد الحكم كما عرفت أيضا.
و هذا التعدّد لا يفي به إطلاق المتعلّق الثابت بمقدمات الحكمة، إذ إنّه على نهج واحد في الموضوعات و المتعلقات، كما تقدم معنا.
الجهة الثالثة: [فرق آخر بناء على أن النهي كان نهيا واحدا، و لم يكن انحلاليا]
و هي: إنه لو فرض أن النهي كان نهيا واحدا، و لم يكن انحلاليا و استغراقيا- بعد أن أثبتنا استغراقيّته بقرينة في باب النواهي- بحيث صار مفاد «لا تشرب الخمر» حكما واحدا و إلزاما واحدا، كمفاد الأمر بالطبيعة، نقول: مع هذا سوف يبدو لنا فرق بين الأمر و النّهي غير الفرق الذي ذكرناه في الجهة الثانية، حيث ذكرنا هناك أنّ مرجع أحدهما الانحلال إلى تكاليف متعددة و أمّا هنا فكل منهما تكليف واحد و تحريم واحد، و هذا لا يتحمّل وجوبين و عصيانين، بل لا فرق بينهما من حيث السقوط بالعصيان، حيث يرتفع النّهي بعد العصيان الأول.
و بهذا يتساوى الأمر مع النّهي، و بهذا يزول الفارق المتقدم.
و لكن مع هذا يبقى بينهما فرق هو في كيفيّة امتثال هذا الأمر و النّهي، فخطاب «صلّ» يمتثل بإتيان أحد أفراد الطبيعة و من ثم يسقط الأمر و لا يكون عصيانه إلا بترك تمام إفراد الطبيعة.
و أمّا في جانب النّهي، فالتحريم الواحد يمتثل باجتناب تمام أفراد