بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣١٣ - الجهة الثانية هي أنه هل يستفاد من صيغة النهي الانحلال و تعدّد الحكم
مفاده عدم تعدد الحكم بتعدد المتعلق، فقد استثنى منه متعلقات النواهي، إذ مقتضى الأصل فيها و إن كان عدم انحلال متعلقاتها كما عرفت، إلّا أنّه قد خرجنا عن هذا الأصل بقرينة، و هي إنّ النهي إنّما ينشأ عن مفسده، و الغالب كون المفسدة انحلاليّة و متعددة بعدد أفراد الطبيعة. فمفسدة الكذب مثلا تنحل إلى مفاسد بعدد أفراد الكذب، فهذا هو الغالب في المفسدة، و هذه الغلبة تكون قرينة على انحلال و تعدد الحكم بتعدد أفراد المتعلق، و بذلك كان الحكم في متعلقات النواهي انحلاليا و شموليا على خلاف أصله، و ذلك للقرينة المذكورة. بينما في متعلقات الأوامر، فإنّ هذه الغلبة غير متحققة فكان الحكم فيها جاريا على مقتضى الأصل المتقدم، و هو عدم الانحلال، فيكون الحكم بالنسبة للمتعلق فيها بدليا.
و بهذا يثبت أن الحكم في الأوامر بالنسبة لمتعلقاتها بدلي، و في النواهي شمولي، و حينئذ لا يرد السؤال و الإشكال المتقدم، لأنّ هذه الشموليّة، لم تكن مستفادة من اللفظ، لا بالوضع و لا بمقدمات الحكمة.
بينما كان السؤال و الإشكال المتقدم مبنيا على كون الشموليّة و البدليّة مستفادين من اللفظ بواسطة مقدمات الحكمة، و لكن بعد أن ثبت أنّ الشمولية و البدليّة ليست مستفادة من اللفظ، لا بالوضع و لا بواسطة مقدمات الحكمة، ينقطع ذلك السؤال و الإشكال.
و قد اعترض السيد الخوئي (قده) [١] على كون الغالب في المفسدة الانحلال باعتراضين:
١- الاعتراض الأول: هو إنّ قرينيّة غلبة المفسدة على كونها انحلاليّة، إنّما تتم بناء على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.
و أمّا بناء على مذهب «الأشاعرة»، من إنكار التبعيّة للمصالح و المفاسد، فلا تتم هذه القرينة، لأنّ النهي حينئذ لا يكون ناشئا عن مفسدة
[١] محاضرات فياض: ج ٤ ص ١٠٧- ١٠٨- ١٠٩- ١١٠- ١١١- ١١٢- ١١٣.