بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٠٤ - الجهة الثانية هي أنه هل يستفاد من صيغة النهي الانحلال و تعدّد الحكم
توجد تحريمات متعددة بعدد أفراد الطبيعة، أم إنّه لا توجد إلّا حرمة واحدة كما هو الوجوب المستفاد من الأمر؟.
المعروف إنّ المستفاد من النّهي هو الحرمة بنحو العموم الاستغراقي لكل أفراد الطبيعة، لا حرمة واحدة، فيكون هناك تحريمات عديدة بعدد الأفراد، لا حرمة واحدة. فإذا قيل: لا تكذب، فهذه الحرمة تنحل إلى تحريمات بعدد أفراد الكذب لا حرمة واحدة. و الأثر العملي المميّز لأحد القولين عن الآخر هو أنه بناء على كون المستفاد تحريما واحدا، لو صدر منه الكذب مرة لا يكون الكذب الثاني منه محرما، لأنّ الحرمة ارتفعت بالكذب الأول.
و أمّا بناء على كون المستفاد من النهي الانحلال و التعدّد، فإنّ الكذب الثاني يكون فردا محرما بحرمة أخرى لا تسقط بالعصيان كالكذب الأول، بناء على دعوى المشهور للاستغراق و التعدّد.
و الصحيح هو ما عليه المشهور، فإنّ النهي بخلاف الأمر، إذ صيغة الأمر لا يستفاد منها تعدّد الوجوب، بل وجوب واحد متعلق بصرف وجوده، على نحو الإطلاق البدلي، بينما متعلق النّهي يكون شموليا استغراقيا.
إذن فمقدمات الحكمة جارية فيهما معا، و لكن تختلف باختلافهما، فهي جارية في متعلق الأمر و بمقتضاها يكون بدليا، و هي جارية في متعلق النّهي، و بمقتضاها يكون شموليا.
و من هنا يسأل، أنّه: كيف أنتجت مقدمات الحكمة هذا الحكم المختلف، رغم كون الإطلاق في المدلولين من نتاجها، و هي واحدة فيهما؟.
و قد عالج السيد الخوئي (قده) [١] هذا الإشكال، ببيان أنّ هناك مقدارا
[١] محاضرات فياض: ج ٤- ص ١٠٦- ١١٤.