بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠٤ - أمّا المقام الأول فى دلالة الدليل الناسخ او المنسوخ على الجواز او عدمها
و لكن ليس الحكم هو مدلول الدليل، إذ حتى لو فرض عدم بقاء الجنس و تبدّله إلى وجود آخر، في ضمن فصل آخر، كشفنا عنه بمقتضى مدلول الدليل، إلّا أنّ هذا قريب الشبه بمدّعى المشهور، و إنّما احتاج المشهور لتفريع المسألة على المسألة الفلسفية، لكونهم قد فرغوا عن كون الوجوب مدلولا للّفظ، و عليه، لا محالة أنّه ينحلّ إلى جنس و فصل.
الاعتراض الثاني، هو: إنّه لو سلمنا بأنّ الوجوب مجعول شرعي، فمع ذلك لا دليل لنا على بقاء الجواز لأنّ الوجوب من الاعتبارات، و الاعتبارات من أبسط البسائط ليس لها جنس، و لا فصل، فضلا عن المادة و الصورة، إذ ليست ذات ماهيّة حقيقية، إذ الاعتبار من الكيف النفساني، فلا معنى لافتراض بقاء جزء و ارتفاع جزء بل حتى لو سلّمنا بكون الوجوب مركبا، فليست المسألة مبتنية على تلك المسألة لأنّ النزاع هناك في الإمكان العقلي بينما نزاعنا في بقاء الجنس بعد انعدام الفصل إنما هو في الوقوع الخارجي.
و هذا الاعتراض أيضا غير صحيح، و ذلك لأنّ من يقول: بأنّ جزءا من الوجوب يبقى، و آخر يرتفع، لا يقول: بأنّ الوجوب اعتبار واحد، كي يقال له: إنّ الاعتبار من البسائط، أو من أبسطها، فلا جنس له، و لا فصل، و إنما المدّعى بأنّ الوجوب متركب من مجموع اعتبارين: اعتبار عام، و اعتبار خاص، اعتبار طلب الفعل، أو كون الفعل في ذمة المكلّف، و اعتبار المنع من التّرك، و هما مندكّان في اعتبار واحد، فهما بمثابة الجنس و الفصل، و ليس المدّعى كون الاعتبار الواحد مركّبا من جزءين.
و عليه يقال: بأنّ الدليل الناسخ، إنّما يدل على ارتفاع المجموع، و ليس الجميع.
و عليه، يمكن إثبات أصل الجواز بالدليل المنسوخ.
و لعلّه كان أقرب إلى الصواب لو عبّر بالمدلول التضمّني و المطابقي، بدلا من التعبير بالجنس و الفصل لأنّ الجنس و الفصل من الأجزاء التحليلية