بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨٣ - تعلق الأمر بالطبيعة أو الأفراد
و إن شئت قلت: إنّ الفلاسفة قالوا هذا و تصوروا أنّ الماهية إذا لوحظت في مرحلة ذاتها و ذاتياتها فهي ليست إلّا هي، و أيّ شيء يثبت لها في هذه المرتبة، لا بدّ أن يكون ذاتيا لها، سواء أ كان جنسا، أو نوعا، أو فصلا.
و أمّا بقية الأمور و العوارض الخارجة عن ذاتها، فهي ليست من ذاتياتها، إذ الماهية في مرحلة ذاتها و ذاتياتها، ليست إلّا هي.
و هذا مطلب معقول خلاصته: تحديد مرحلة ذات و ذاتيات الماهية، و لكن الأصوليين استعملوا هذا المصطلح، و طبّقوه بشكل خاطئ، حيث تصوروا أنّ الماهيّة «بما هي هي» و في مرحلة ذاتها، لا يمكن أن يتعلّق أو يعرض عليها طلب، لأنّها «بما هي هي» ليست مطلوبة، و لا غير مطلوبة.
و قد غفل الأصوليون أنّ قيد «بما هي هي» إنما قاله الفلاسفة لتحديد المعروض، و لبيان أنّ المعروض و الموضوع، إنّما هو مرحلة الذات و الذاتيات، و أنّ الطلب ليس جزءا من ذاتها في هذه المرحلة، و إنما يثبت لها بحدّ ذاتها، و بما «هي هي»، فيقال حينئذ: إنّها مطلوبة، دون أن يعني عروض الطلب عليها، أنّها في مرحلة ذاتها مطلوبة، و صار الطلب جزءا من ذاتها.
٣- التقريب الثالث: هو إنّ مدلول الأمر في، «صلّ»، هو طلب الصلاة، و مدلول النهي في، «لا تصلّ»، هو طلب ترك الصلاة.
و حينئذ يقال: بأنّه لو لم يكن كل من الوجود و العدم مأخوذا في مدلول الأمر و النهي في «صلّ»، و لا، «تصلّ»، أي: في طلب الصلاة و تركها، لما أمكن التفريق بين مدلول المادة و مدلول الهيئة فيهما، مع أنّ نفس المادة و نفس الهيئة موجودة فيهما، و كلاهما يدلان على طلب الطبيعة.
إذن لا بدّ من أخذ الوجود و العدم في طلب الصلاة و النهي عنها.