بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٥٧ - التنبيه الرابع من تنبيهات التزاحم هو في إجراء أحكام التزاحم على ما لو وقع التزاحم بين الواجب الموسّع و المضيّق
الشرعيّة، و حينئذ، إذا تزاحما، يقدّم ما لم يؤخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة على ما أخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة، لأنّ الأول، و هو الحج مطلق و منجز فعلي، و الثاني، و هو النذر، مشروط، و يحتمل أن تذهب المزاحمة بالشرط و لا نتمكن من تحصيله.
و أمّا أنّ دليل الحج لم يؤخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة، فلما تقدّم في التقريب الأول.
و أمّا أنّ دليل وجوب الوفاء بالنذر، أخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة، فيكفي ما ذكرناه فيما تقدّم.
و توضيحه، هو: انّ وجوب الوفاء بالنذر، موضوعه النذر، و هو الالتزام، أي التزام الشخص بالإتيان بعمل معيّن، و التزام الشخص بعمل لا يعقل أن يتعلّق إلّا بالمقدور، إذ إنّ العاقل لا يلتزم بما لا يدخل تحت قدرته، فالالتزام النذري بحسب طبعه يستدعي أخذ القدرة فيه بحسب جعل الناذر، و ذلك لاستحالة أن يلتزم بالعمل على أيّ حال حتى لو كان ميّتا، أو مشلولا.
إذن فالالتزام هو موضوع دليل وجوب الوفاء بالنذر، و القدرة مأخوذة فيه، فمع العجز، لا نذر، و لا عهد. إذن فلا يتصوّر كون الملاك فيه مطلقا حتى لحال العجز، فالمصلحة في الوفاء، و المفسدة في الحنث، متقوّمة بالقدرة، و هذا معناه، أنّ القدرة شرعيّة، و بهذا يتمّ تقديم دليل وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر.
و هذا الكلام لا يخلو من خدشة، و ذلك لأنّ الأمر و إن كان كما أفيد من حيث أنّ الناذر لا يلتزم إلّا بالمقدور و تكون حينئذ القدرة دخيلة في ملاك وجوب الوفاء بالنذر على أساس أنّه في حال العجز، لا ملاك لوجوب وفاء الناذر.
لكن هنا نسأل: أيّ قدرة هذه التي تكون دخيلة في ملاك وجوب الوفاء بالنذر؟.