البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٨٨ - الاعتراضات الواردة على دليل الانسداد
التكليف مظنوناً، أو مشكوكاً.
الثالثة: و هي المرتبة الدنيا من مراتب الاحتياط، و تتمثل بالاحتياط تجاه الشبهات التي يكون فيها التكليف مظنوناً فحسب.
فإن كانت المرتبة الأولى، أو الثانية، يلزم من الاحتياط فيها العسر و الحرج، فمن الواضح عدم لزومهما- أي: العسر و الحرج- في المرتبة الثالثة، فنأخذ بالمظنونات دون غيرها من المشكوكات، أو الموهومات، باعتبار ذلك إحدى مراتب الاحتياط المقدورة للمكلّف، و به تبطل المقدّمة الثالثة التي بني عليها الاستدلال.
إن قلت: إنّ هذا عين ما وصل إليه المستدل بهذا الدليل وفقاً للمقدّمة الخامسة، و ليس هو إلّا اختصار للمسافة؛ لأنه في الحالتين يجب العمل بالمظنونات دون غيرها.
كان الجواب: إن الأمر ليس كما تتصور، لأن الأخذ بالمظنونات دون المشكوكات، أو الموهومات، الذي انتهى إليه المستدل، إنّما هو باعتبار انّها مظنونات بحيث يكون للظن بالتكليف مدخليّة في وجوب الأخذ به، على أساس أنّ الأخذ بغير الظن من الشك والوهم يكون من ترجيح المرجوح على الراجح، و هو باطل، فيتعين الأخذ بالظنّ من حيث أنّه ظن، و هذا يعني: حجّية الظن.
أما الأخذ بالمظنونات، و الذي انتهينا إليه في الأمر الثالث، فباعتبار أنّه مرتبة من مراتب الاحتياط الواجبة بسبب العلم الاجمالي الذي يقتضي الاحتياط في كل شبهة، بحيث لا يكون للظنّ أي مدخليّة في وجوب الأخذ بالمظنونات، دون غيرها من المشكوكات و الموهومات، و إنّما وجب الأخذ به بسبب وجوب الاحتياط، باعتبار أنها المرتبة المقدورة التي لا يلزم فيها العسر و الحرج، و إلّا، فلو افترضنا أنّ المرتبة الثانية من مراتب الاحتياط، و التي تحصل بالاتيان بالمظنونات و المشكوكات معاً كانت مقدورة
للمكلّف، و لا يلزم فيها العسر و الحرج، لقلنا أيضاً بوجوب الأخذ بها [١]، و هذا لا يعني حجّية الشك، أو الظن، كما هو واضح.
[١] و هو ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، ج ١، ص ٣٨٢ حيث قال: «مع أن العمل بالاحتياط في المشكوكات أيضاً كالمظنونات لا يلزم منه حرج قطعاً، لقلة موارد الشك المتساوي الطرفين كما لا يخفى، فيقتصر في ترك الاحتياط على الموهومات فقط».