البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٧٩ - الاعتراض الثاني وجوب العمل بأخبار الثقات في المقام غير الحجّية المطلوبة
أو التقييد، معناه: رفع اليد عن عموم العام، أو إطلاق المطلق فى دليل قطعي الصدور، و معلوم الحجّية [١] في دلالته؛ فإنّ ظهور العام في العموم، أو ظهور المطلق في الإطلاق، قد قام الدليل القطعي على حجيته، و من الواضح أنّه لا يجوز رفع اليد عما هو معلوم الحجّية إلّا بحجّية أخرى، تخصيصاً، أو تقييداً، فما لم يثبت بالدليل القطعي حجّية خبر الثقة، لا يمكن تخصيص العام أو تقييد المطلق بذلك الخبر [٢].
و مثال ذلك: ما لو ورد دليل قطعي الصدور كآية قرآنية مثلًا، أو خبر متواتر يدل باطلاقه على حلّية أكل كل أنواع اللحوم، و ورد خبر ثقة وجب العمل به من باب منجزية العلم الإجمالي المذكور، يدل على حرمة أكل لحم الأرنب، فالنسبة بين مفاد الآية القرآنية و مفاد الخبر، هي: العموم المطلق؛ لأن الآية القرآنية تدل على حلّية أكل مطلق اللحم، سواء أ كان لحم الأرنب أم غيره، و الخبر يدل على حرمة أكل لحم الأرنب، فهل نستطيع هنا أن نقيّد إطلاق الآية الكريمة بخبر الثقة، و نقول بحلّية أكل مطلق اللحم إلّا لحم الأرنب؟ أو لا نستطيع ذلك؟
و الجواب: إننا لا نستطيع أن نقيّد إطلاق الدليل القرآني بذلك الخبر؛ لأن ذلك من رفع
اليد عمّا هو معلوم الحجّية بما لم تثبت حجّيته بالدليل الشرعي، و هذا لا يجوز.
[١] لا يتوهم هنا أنّ قوله: «و معلوم الحجّية» عطف تفسير لقوله: «قطعي الصدور» كما حصل ذلك للبعض، بل هو إشارة إلى الجهة الثانية من جهات الدليل، و هي: جهة الدلالة؛ لأن في كل دليل شرعي جهتين: جهة السند، و التي أشار إليها بقوله: «قطعي الصدور»، وجهة الدلالة، و التي أشار إليها بقوله: «و معلوم الحجّية»، أي: نعلم بحجّية تلك الدلالة، أي: العلم بحجّية الظهور، و يؤيد ما قلناه أن التعبد و التخصيص إنما يصح في الدلالة الظنّية المجعولة حجّة من قبل الشارع، لا للدلالة القطعيّة كما هو واضح؛ لأنه مع القطع بالدلالة نقطع بعدم حجّية ما يخالفها.
إن قلت: إذن لما ذا قال: «قطعي الصدور»، و لم يقل: «معلوم الحجّية من جهة الصدور».
كان الجواب: إن معلوم الحجّية من جهة الصدور أعم من كونه حجّة من باب حجّية القطع بالصدور، و من كونه حجّة تعبداً، و من الواضح أن الاحتمال الثاني لا معنى له؛ لأن الكلام في حجّية الخبر تعبّداً، و لم تثبت بعد بحسب الفرض، و لأجل ذلك عبّر بقوله: «قطعي الصدور»، فانتبه، و لا تغفل
[٢] هذا الاعتراض ذكره المحقق الخراساني في كفاية الأصول، ص ٣٠٥، حيث قال: «و فيه: إنه لا يكاد ينهض على حجية الخبر، بحيث يقدم تخصيصاً أو تقييداً أو ترجيحاً على غيره، من عموم أو إطلاق أو مثل مفهوم».