البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٦١ - عدم وصول الردع دليل على عدم الردع
على غرضه، و بما إنّه لم يردع، يثبت أن الشارع قد أمضى ما عليه العقلاء، من التعويل على أخبار الثقات، و هذا يعني: حجّية خبر الثقة.
الملازمة بين الردع و الوصول:
إن قلت: سلّمنا أنه يجب على الشارع أن يردع لو لم يكن العمل بخبر الثقة موافقاً لغرضه، و لكن كيف لنا إثبات إنّه لم يردع؟
كان الجواب: إنّ الشارع لو كان قد ردع و نهى عن العمل بتلك السيرة، لوصل إلينا، و بما إنّه لم يصل شيء من ذلك، فهذا دليل على عدم الردع [١].
عدم وصول الردع دليل على عدم الردع:
إن قلت: لا ملازمة بين ردع الشارع، و نهيه عن شيء، و بين لزوم وصول الردع إلينا، فلربما يكون قد ردع فعلًا، و لكن لم يصل إلينا ردعه بسبب النسيان، أو الضياع، أو عدم التدوين، أو غير ذلك، و ليس من الضروري أن يصل إلينا كل ما صدر من الشارع؛ لوضوح عدم الملازمة بين الصدور و الوصول.
كان الجواب: نحن لا ندّعي الملازمة مطلقاً و في كل الأحوال، فإنّ عدم الملازمة بهذا النحو واضحة جداً لا تحتاج إلى برهان، و إنما ندعيها في المقام لنكتة، و هي: إنّ السيرة العقلائية القائمة على العمل بأخبار الثقات، تشكل ميلًا عقلائياً عاماً يشترك فيه جميع العقلاء، و ارتكازاً راسخاً و قوياً، يقتضي من الشارع- لو لم يكن ذلك مرضياً له- أن يردع عنه بما يناسب ذلك الارتكاز القوي، و هذا يتطلب من الشارع ردوعات كثيرة تتناسب مع حجم تلك السيرة و ذلك الارتكاز، و هذا يقتضي أن يكثر السؤال و الاستفسار عن ذلك من الإمام (ع)، و الذي بدوره يتطلب أجوبة كثيرة من الإمام (ع) بهذا الشأن مع وجود الدواعي لنقل تلك الاجوبة و النواهي، الأمر الذي يقتضي أن يصل إلينا شيء منها لو حصل ذلك فعلًا؛ لأنه من المستبعد جدّاً أن تكثر تلك النواهي و بهذا الحجم، و لا
[١] و قد أشار الآخوند الخراساني في كفاية الأصول ص ٣٠٣ إلى هذه الملازمة فقال: «و لم يردع عنه نبي و لا وصي نبي، ضرورة أنه لو كان لاشتهر و بان، و من الواضح أنه يكشف عن رضى الشارع به في الشرعيات أيضاً».