البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٨١ - ما يُلاحظ على التوجيه السابق
الملاحظة الثانية: إنّ النحو المذكور من التقييد، لو تم، فهو إنما يتم فيما لو كان القطع العقلي بالجعل الشرعي مؤدياً إلى ثبوت الحكم الشرعي، كما لو قطع المكلف بجعل الشارع لحرمة الكذب- مثلًا- و لكنه لا يتم فيما لو كان القطع العقلي مؤدياً إلى نفي الحكم الشرعي، من قبيل ما يستدل به على استحالة الأمرين بالضدين و لو على وجه الترتب، فإن صاحب الكفاية يستدل عقلًا على عدم الأمر بالصلاة لمن توجه إليه الأمر بالإنقاذ أو بإزالة النجاسة حتى لو لم يشتغل المكلّف بالإنقاذ أو الإزالة، بدعوى أنّ تقييد أحدهما بعدم الاشتغال بالآخر يؤدي إلى طلب الجمع بين الضدين في حالة العزم على عصيانهما أو عصيان أحدهما، و هو مستحيل. فهل يمكن في هذه الحالة القول بأن المولى يجعل مثل هذا الحكم المستحيل في حق من وصلت إليه الاستحالة بالدليل العقلي رغم استحالته، و هو ما يقتضيه التقييد المذكور؛ لأن القطع العقلي بالجعل الشرعي إذا كان يؤدي إلى عدم ثبوت الحكم الشرعي المجعول؛ نتيجة لتقييده بعدم القطع العقلي، فإنه سوف يؤدي إلى ثبوت الحكم الشرعي في حالة القطع العقلي بعدم ثبوت الجعل الشرعي [١].
[١] الظاهر عدم ورود هذه الملاحظة على التقييد المذكور؛ لأنّ هذا النحو من التقييد المناسب في المقام يمكن التعبير عنه بصيغتين فقط لا ثالث لهما، و هما:
١- إذا قطعت بالجعل الشرعي من ناحية الدليل العقلي، فلا ثبوت للحكم المجعول.
٢- إذا قطعت بالجعل الشرعي من غير الدليل العقلي، فإنه سوف يثبت الحكم المجعول.
و من الواضح أن الصيغة الأولى لا تعني بأي حال من الأحوال أنه إذا قطعت بعدم الجعل الشرعي عقلًا فإنه سوف يثبت المجعول، فإنها لا تدل على ذلك، لا بنحو الدلالة المطابقية، و لا بنحو الدلالة الالتزاميّة؛ فإن غاية ما يثبت لهما من مدلول التزامي لو قيل به، هو: أنه إذا لم تقطع بالجعل الشرعي من ناحية الدليل العقلي فإنه يثبت الحكم المجعول و أين هذا ممّا ذكره السيّد الشهيد؟
و أمّا الصيغة الثانية فإنّ عدم ورود الملاحظة المذكورة عليها يكون واضحاً جداً؛ لأن المفروض عدم حصول القطع بالجعل الشرعي.
نعم، الملاحظة المذكورة يمكن أن يكون لها وجه إذا كان التقييد المذكور يعبّر عنه بالصيغة التالية، و هي: إذا قطعت بعدم الجعل الشرعي من ناحية الدليل العقلي، فإنه يثبت الحكم المجعول، لكن مثل هذا النحو من التقييد مما لم يكن مقصوداً قطعاً، بل هو مما لا يناسب المقام كما هو واضح.