البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٧٣ - تقسيم الدليل العقلي إلى الظني و القطعي
تقسيم الدليل العقلي إلى الظني و القطعي:
ثم إن ما يسمى بالدليل العقلي الذي يتم التوصل به إلى الحكم الشرعي، تارة تكون نتيجته ظنية، و لا يؤدي إلا إلى الظن بالحكم الشرعي، و أخرى تكون نتيجته قطعية، و يؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي [١].
[١] ينبغي الالتفات إلى أن وصف الدليل بكونه ظنياً تارة، و قطعياً تارة أخرى، تارة يكون بملاحظة مرحلة التطبيق الفعلي، و أخرى يكون بملاحظة نفس الدليل بما هو دليل، و بقطع النظر عن مرحلة التطبيق الخارجي، فأما بالنسبة إلى اللحاظ الأول فسوف يكون المناط الذي على أساسه يوصف الدليل عادة- سواء كان هذا الدليل عقلياً أم شرعياً- بكونه ظنياً تارة، و قطعياً تارة أخرى، هو: ملاحظة كل من كبرى الدليل و صغراه؛ فإن كانت إحداهما على الأقل ظنية، كان الدليل ظنياً، و إن كانت الكبرى قطعية و الصغرى كذلك، كان الدليل قطعياً، و لا يشترط في كون الدليل ظنياً أن تكون كلتا مقدمتيه ظنية، بل يكفي أن تكون إحداهما كذلك؛ لأن النتيجة تتبع أخس المقدمتين كما هو معلوم في المنطق.
و بناءً على ذلك، فلو فرض في المقام أن العقل قد أدرك بمستوى القطع و اليقين الملازمة بين إيجاب شيء و إيجاب مقدمته شرعاً، و لكن لم يحصل للمكلف القطع بمقدمية شيء لواجب شرعي معيّن، كما هو الحال في الأمور التي لا يفرض مقدميتها إلا بأخذ الشارع لها كذلك، كالمقدمات الوجودية الشرعية، أو حصل له القطع بمقدميتها، و لكن لم يحصل له القطع بايجاب الشارع لما يتوقف عليها، كما هو الحال في الأمور التي يتوقف عليها الواجب الشرعي تكويناً، كالمقدمات الوجودية العقلية، ففي هاتين الصورتين يدخل الدليل العقلي في نطاق الدليل العقلي الظني حتى لو فرض حصول القطع بالملازمة بين إيجاب شيء و إيجاب مقدمته شرعاً.
و أما لو فرض حصول القطع بكبرى الدليل العقلي و بتحقق صغراه في الخارج، فسوف يكون الدليل العقلي قطعياً، و يؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي المستنبط منه.
و أما بالنسبة إلى اللحاظ الثاني، و هو: ملاحظة نفس الدليل بما هو دليل و بقطع النظر عن مرحلة التطبيق الخارجي، فسوف يكون المناط في كون الدليل ظنياً أو قطعياً، هو: ملاحظة نفس الكبريات، و بقطع النظر عن احراز تحقق صغرياتها في الخارج و عدمه؛ لأن البحث في حجية الدليل العقلي في المقام إنما يدور حول ما لو ادرك العقل هذه القضية أو تلك من الكبريات التي تمثل بنفسها الدليل العقلي كما هو الواضح من تعريفه، و لا ينظر فيه إلى مدى احراز تحقق صغريات تلك الكبريات في الخارج من حيث كونه احرازاً قطعياً أم ظنياً.
و من هنا، ينبغي الالتفات إلى أن الدليل العقلي إذا كانت صغراه شرعية، كما هو الحال في الدليل العقلي غير المستقل، و كان ثبوت تلك الصغرى ظنياً، قد ثبتت حجيته شرعاً؛ فإن مثل هذا الدليل العقلي لا يدخل في نطاق الدليل العقلي الظني الذي قلنا بعدم حجيته إلا إذا فرض كون كبراه ظنية و ليست قطعية، فمثلًا: لو فرضنا أن النهي عن صوم يوم عاشوراء قد ثبت بخبر الواحد المجعول حجة من قبل الشارع، و فرضنا أن العقل قد أدرك بمستوى القطع و اليقين الملازمة بين النهي عن العبادة و فسادها أو بطلانها، فإن استكشاف الحكم الشرعي بفساد صوم يوم عاشوراء و بطلانه من الدليل العقلي المذكور، و إن كان استكشافاً ظنياً لأجل ظنية صغراه، إلا أنه خارج عن نطاق الدليل العقلي الظني الذي حكمنا بعدم حجيته في المقام.
وعليه، فالمهم في حجية الدليل العقلي الذي وقع محلًا للخلاف بين الأصولي و الأخباري، هو: ملاحظة نفس الكبرى العقلية، سواء احرزت صغراها بالتعبد، أم بالوجدان.