البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٥١ - النقطة الرابعة بيان المراد من حكم العقل الذي يقع طرفاً في الملازمة
فمثلًا: البحث في الملازمة بين حكم العقل بحسن الشيء و حكم الشارع بوجوبه، تارة يفترض بعد الفراغ عن وجود ملازمة بين حسن الشيء و وجوبه شرعاً، و حينئذٍ، سوف ينصب البحث على المستويين: الثاني و الثالث فقط، فيبحث في مدى إمكان إدراك العقل لحسن الأشياء و عدمه نظرياً، و ثبوتاً، و في مدى قدرة العقل فعلًا على ذلك الإدراك و إمكان وقوعه خارجاً و عدمه.
و أخرى يفترض ذلك البحث بقطع النظر عن وجود الملازمة بين حسن الأشياء و وجوبها شرعاً، فهنا لا بد من البحث أولًا و في رتبة سابقة في أصل وجود هذه الملازمة، و هو المستوى الأول من البحث، ثم بعد ذلك يبحث في المستويين: الثاني و الثالث على تقدير ثبوت الملازمة المذكورة، و إلا فبقطع النظر عن الملازمة بين حسن الفعل و وجوبه شرعاً لا معنى لاستكشاف حكم الشارع من مجرد إدراك العقل للحسن و القبح كما هو واضح.
و كلا هذين النحوين من البحث في الملازمة سوف تجده في المقام؛ فإنّ البحث في الملازمة بين حكم العقل النظري و حكم الشارع هو من النحو الأول [١]، بينما البحث في الملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشارع هو من النحو الثاني.
النقطة الرابعة: بيان المراد من حكم العقل الذي يقع طرفاً في الملازمة
إنّ المراد بحكم العقل الذي يقع طرفاً في الملازمة المذكورة، هو: ما يدركه العقل على نحو الجزم و اليقين من أمور غير مستندة إلى كتاب أو سنّة.
فالمراد بحكم العقل هذا المعنى، لا حكم العقل الكلّي، و القوّة المدركة العاقلة بمعناها الفلسفي الذي هو أوّل ما أفيض منه مبدأ الوجود.
كما انه ليس المراد به العقل الجزئيّ الذي هو مناط التكليف و شرطه بلحاظ كل فرد من
[١] و هذا ما أشار إليه السيد الشهيد بقوله ص ٤٢٥: «فمن الممكن نظرياً أن نفترض إدراك العقل النظري لذلك الملاك»؛ فإنه قد أشار بذلك إلى المستوى الثاني من البحث، و بقوله: «و لكن هذا الافتراض صعب التحقق من الناحية الواقعية»، أشار إلى المستوى الثالث من البحث، و أما بالنسبة إلى المستوى الأول، و هو: وجود الملازمة بين مورد حكم العقل و حكم الشارع، فقد أرسله إرسال المسلمات بقوله: «و أن الملاك متى ما تم ... الخ»؛ و ذلك لوضوحه و بداهته نظراً لتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد التي هي ملاكات لتلك الأحكام.